فخر الدين الرازي
264
المطالب العالية من العلم الإلهي
في نار جهنم . ولو كان كذلك ، لما كان للّه نعمة على الكافر أصلا في الدين . وأيضا : على هذا التقدير ، وجب أن لا يكون له عليه شيء من النعم الدنيوية ، لأن اللذات العاجلة بالنسبة إلى العقوبة الأبدية . كالقطرة في البحر . وذلك لا يعد نعمة . ألا ترى أن من جعل السم في الحلو ، فإن اللذة الحاصلة من تناول ذلك [ الحلو « 1 » ] لا تعد نعمة . فكذا هاهنا . ومتى التزم ملتزم فقد خالف الكتاب . قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً « 2 » وقال : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ « 3 » . الحجة الثانية عشر : لو خلق الظلم والجور والفساد ، لصح وصفه بأنه ظالم وجائر ومفسد ، لأنه لا معنى للظالم إلا كونه فاعلا للظلم . ولذلك فإنه لا يصح إثبات أحدهما مع نفي الآخر . وأيضا : فإنه لما فعل العدل سمي عادلا ، فكذا لو فعل الظلم وجب أن يسمى ظالما ، بل يجب أن لا يسمى العبد ظالما وسفيها ، لأنه لم يفعل شيئا من ذلك . الحجة الثالثة عشر : لو جاز أن يخلق الكفر في الكافر ، ثم يقول له : لا تكفر . لجاز أن يقيد يديه ورجليه ثم يرميه من شاهق الجبل ، ويقول له : ارجع . ولجاز تكليف الأعمى بنقط المصحف . بل يلزم جواز التكليف بخلق العدم ، والجمع بين السواد والبياض . ولو جاز ذلك ، لجاز تكليف الجمادات . وكل ذلك باطل بالضرورة . الحجة الرابعة عشر : لو كان تعالى هو الخالق لأعمال العباد ، لكان إما أن يتوقف خلقه لها على دواعيهم وقدرهم ، أو لا يتوقف . والأول باطل . لأنه يلزم منه أن يكون تعالى محتاجا إلى إرادتهم وقدرتهم . والثاني باطل لأنه يلزم أن يصح منه تعالى خلق تلك الأفعال من دون قدرتهم وإرادتهم . فيلزم صحة أن توجد الكتابة والصياغة المحكمتان فيمن لا يكون عالما بالصياغة والكتابة ،
--> ( 1 ) من ( ط ) . ( 2 ) سورة إبراهيم ، آية : 28 . ( 3 ) سورة القصص ، آية : 77 .