فخر الدين الرازي
262
المطالب العالية من العلم الإلهي
يمكننا خلق الشمس والقمر والسماء والأرض . ولولا كوننا قادرين على أفعالنا ، وإلا لما حصلت هذه التفرقة . وأما إلقاء لفظ الكسب في البين ، فلا فائدة فيه . لأنه إن كان قادرا على التحصيل ، فقد حصل المطلوب . وإن لم يكن قادرا عليه ، فالإلزام المذكور لازم ، ولا واسطة بين القسمين . فكيف ينفع في مثل هذا الموضع إلقاء لفظة مجهولة في البين ؟ الحجة الرابعة : لو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه لبطل القول بإثبات إله ، وبإثبات النبوة . وكون كتب اللّه المنزلة : حجة . وقد تقدم تقرير هذا الفصل . الحجة الخامسة : إن اللّه تعالى عالم بقبح القبائح ، وعالم بكونه غنيا عن فعلها . وكل من كان كذلك ، امتنع كونه فاعلا لهذه القبائح . وذلك يدل على أنه تعالى ما أوجد هذه القبائح البتة . أما المقدمة الأولى : وهي قولنا : إنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنيا عنها ، فتقريره يتوقف على إثبات أمور ثلاثة : الأول : أن القبائح إنما تقبح لوجوه عائدة إليها - وتقريره سيجيء في مسألة الحسن والقبح - . وثانيها : إنه تعالى غني عن الحاجات . وثالثها : إنه تعالى عالم بجميع المعلومات . وحينئذ يحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاثة ، قولنا : إنه تعالى عالم بقبح القبائح ، وعالم بكونه غنيا عنها . وأما المقدمة الثانية : وهي قولنا : كل من كان كذلك ، فإنه لا يفعل القبيح البتة . فتقريره : إن صدور الفعل عن القادر يتوقف على حصول الداعي ، والعلم بقبح القبيح مع العلم بالاستغناء عنه : جهة صرف وامتناع . وكون العلم الواحد داعيا صارفا مقتضيا مانعا : محال . فثبت : أنه تعالى يمتنع أن يكون فاعلا لهذه القبائح . الحجة السادسة : لو كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد ، وفيها القبائح