فخر الدين الرازي
257
المطالب العالية من العلم الإلهي
واعلم : أن دعوى الضرورة في كون العبد موجدا لأفعاله : [ باطل « 1 » ] ويدل عليه [ وجوه « 2 » ] . الأول : إن الناس كانوا قبل « أبي الحسين » فريقان : منهم من يزعم : أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى ، ومنهم من يزعم : أنه يحصل بإيجاد العبد « 3 » وبتكوينه . والعلم بذلك علم استدلالي . ولذلك فإن جميع مشايخ المعتزلة إنما كانوا يثبتون هذا المطلوب بناء على الدلائل والبينات . ولو كان العلم بهذا المطلوب ضروريا ، لكان جميع الناس الذين كانوا قبل « أبي الحسين » منكرين للبديهيات . أما مخالفوا المعتزلة . فلا شك أنه يلزم على قول « أبي الحسين » كونهم منكرين للبديهيات . وأما جميع مشايخ المعتزلة فكذلك . لأنهم لما كانوا مطبقين على أنه لا سبيل إلى إثبات هذا المطلوب إلا بالدلائل ، كانوا متفقين على أن العلم بهذا المطلوب ليس بضروري . فثبت : أن العلم بهذا المطلوب لو كان ضروريا ، لزم أن يقال : إن جميع الخلق الذين كانوا قبل « أبي الحسين » كانوا مطبقين متفقين على إمكان البديهيات والضروريات . ولما كان ذلك باطلا ، علمنا فساد قول « أبي الحسين » . الثاني : إنا [ إذا « 4 » ] رجعنا إلى أنفسنا ، لم نعلم إلا أن « 5 » هذه الأفعال حاصلة على وفق تصورنا ودواعينا . فأما أن المؤثر في دخولها في الوجود هو قدرتنا فقط ، أو مجموع قدرتنا مع دواعينا . أو « 6 » المؤثر في حصولها شيء آخر يحصلها مقارنا لذلك المقصود « 7 » فذلك البتة غير معلوم . إذ ليس من المشتبه أن يقال : إنه تعالى أجرى عادته بأن الإنسان الذي تكون أعضاؤه سليمة ، ومزاج بدنه يكون خاليا من الأسقام والأمراض ، إذا خلق فيه إرادة حصول شيء ، فإنه
--> ( 1 ) من ( م ، ل ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) اللّه ( م ، ل ) . ( 4 ) سقط ( م ) . ( 5 ) لأن ( م ) . ( 6 ) إلى [ الأصل ] . ( 7 ) لذات المطلوب ( م ) .