فخر الدين الرازي

240

المطالب العالية من العلم الإلهي

وعمر هذه [ المدة « 1 » ] مع جهلهما بهذه المسألة ؟ . السؤال الثاني : إن صح متن هذا الخبر ، فله تأويلان : أحدهما : إنهما اختلفوا في إطلاق اسم الشر على الآلام والأسقام والمحن فمنعه أبو بكر عن ذلك . لأنه وإن كان مؤلما ، فهو خير للعبد . لما فيه من الأعراض . وأجازه عمر . فبين رسول اللّه : جواز ذلك ، وأنها وإن كانت مصلحة ، فهي شر بمعنى كونه مؤلما . الثاني : إن المراد بالقدر : الكتابة . فكان أبو بكر يقول : يقدر الخير دون الشر ، أي أن يكتب الخير في اللوح المحفوظ ، ولا يكتب الشر . وعمر كان يقول يكتبهما . فأما قوله : « لو شاء اللّه أن لا يعصى لم يخلق إبليس » فنقول : هذا ضعيف . لأنه عند المجبرة : وجود إبليس وعدمه سواء . فإن ثبت هذا الكلام ، فمعناه : لو شاء اللّه أن لا يخلق من يعصيه ، لما خلق إبليس . وهو رأس العصاة . فأشار إلى أنه تعالى كما يخلق من يعلم أنه يؤمن ، كذلك يخلق من يعلم أنه يكفر وإنما يأتي المكلف بالكفر والايمان من قبل نفسه لا من قبل ربه . ويحتمل أيضا : أنه لو شاء أن يمتنع من المعصية جبرا ، أو قسرا ، لما خلق إبليس ، مع علمه بأنه رأس الكفر . ولكنه تعالى أراد أن يؤمن العبد باختياره ليستحق الثواب . واللّه اعلم . والجواب عن جميع هذه الأسئلة : إنا لا نطلب من التمسك بهذا الخبر ، إلا الظن القوي . ولا شك أن كل ما ذكرتموه ، وجوه مرجوحة ضعيفة . فهي لا تقدح في الظن . الحجة الثالثة والعشرون : ما رواه البخاري في صحيحه بإسناده عن عمران ابن حصين . قال : أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فعلقت ناقتي ، ودخلت . فأتاه نفر من بني تميم . فقال : « أقبلوا البشرى يا بني تميم » فقالوا : بشرتنا ، فأعطنا . فجاءه نفر من أهل اليمن ، إذ لم يقبلها إخوانكم بني تميم » فقالوا :

--> ( 1 ) من ( م ، ل ) .