فخر الدين الرازي

23

المطالب العالية من العلم الإلهي

صار « 1 » المرجوح ممتنعا ، صار الراجح واجبا . ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين فثبت : أن صدور الفعل عن العبد ، موقوف على أن يفعل غيره فيه هذا المرجح . واعلم : أنه متى فعل ذلك الغير فيه ذلك المرجح ، وجب صدور الفعل عنه . فثبت : أن مجموع القدرة مع الداعي ، يوجب الفعل ، وأنه تعالى ، إن خلقهما : وجب الفعل . وإن لم يخلق مجموعهما : امتنع الفعل . فثبت : أن العبد غير مستقل بنفسه في الفعل وفي الترك . وهو مطلوب . فإن قيل : هذا الاستدلال في مقابلة البديهيات ، فيكون مردودا . بيان أنه في مقابلة البديهيات : إن على هذا التقدير ، متى حصل مجموع القدرة مع الداعي ، كان الفعل واجب الوقوع ، ولم يكن للعبد مكانة واختيار في الفعل . فعلى هذا التقدير ، يكون حال العبد دائرا بين أن يجب « 2 » صدور الفعل عنه ، وبين أن يمتنع صدور الفعل عنه . وعلى هذا التقدير : يلزم أن لا يكون للعبد مكنة واختيار في الفعل والترك . وذلك باطل في بدائه العقول . لأننا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا أنا إن شئنا الفعل فعلنا ، وإن شئنا الترك تركنا . فثبت : أن ما ذكرتموه من الدليل : واقع في مقابلة البديهيات . فوجب أن لا يستحق الجواب . سلّمنا : أن ما ذكرتم من الدليل غير واقع في مقابلة البديهيات ؛ إلا أننا نقول : هذا الدليل الذي ذكرتم ، مطرد بعينه في الغائب . وذلك لأن كل ما لا بد منه في كونه تعالى مؤثرا في العالم . إما أن يقال : إنه كان حاصلا في الأزل ، أو ما كان حاصلا في الأزل . فإن كان الأول ، فحينئذ يلزم أن يقال : إن مجموع الأمور التي لأجلها كان الباري مرجحا لوجود العالم على عدمه ، كان حاصلا في الأزل . وأنتم زعمتم : أنه متى حصل الرجحان ، فقد حصل الوجوب . وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى : موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار . وإن كان الثاني : نقلنا الكلام في

--> ( 1 ) كان ( م ) . ( 2 ) يوجب ( ط )