فخر الدين الرازي

213

المطالب العالية من العلم الإلهي

لا ينزجرون بزجره ، ولا يمتنعون بسبب هذا الوعيد ، لأنهم يكذبونه في ادعاء الرسالة ، فكيف يلتفتون إلى وعده ووعيده ؟ فثبت : أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك ، لأنه عرف أن جماعة من المسلمين ، كانوا يكذبون عليه . الثالث عشر : المحدثون نقلوا أخبارا كثيرة في أنه - عليه السلام - كان يحث الناس في الرجوع إلى القرآن ، والمسك به ، والمنع من الأحاديث ، وكتابتها . وذلك يدل أيضا على تقوية قولنا . الرابع عشر : إن الأخبار المذكورة في باب التشبيه ، بلغت مبلغا كثيرا في العدد ، وبلغت مبلغا عظيما في تقوية التشبيه ، وإثبات أن إله العالم يجري مجرى إنسان كبير الجثة ، عظيم الأعضاء ، وخرجت عن أن تكون قابلة للتأويل . ولما كان القائل بالتشبيه جاهلا بربه . والجاهل بربه يمتنع أن يكون رسولا حقا من عند اللّه ، علمنا : أن أكثر هذه الروايات : أباطيل وأضاليل ، وأن منصب الرسالة منزه عنه . والعجب من هؤلاء المحدثين : أنهم يقولون : فلان متهم بالرفض ، فلا تقبل روايته ، ولم يقل أحد منهم : فلان مصرح بالتشبيه ، فكان جاهلا بربه ، فوجب أن لا تقبل روايته . لأن الطعن في أبو بكر وعمر ، لا يزيد على الطعن في ذات اللّه تعالى ، وفي صفاته . فثبت بمجموع هذه الوجوه : أن أخبار الآحاد ضعيفة لا تفيد إلا الظن . وإذا ثبت هذا فلنرجع إلى مطلوبنا من هذا الكتاب . فنقول : مسألة القضاء والقدر ، مسألة قطعية يقينية ، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن . والتمسك بالحجة الظنية في المسألة القطعية لا يجوز . هذا تقرير هذا السؤال . والجواب من وجهين : الأول : هب أن كل واحد من هذه الأخبار غير معلوم الصحة ، إلا أن مجموعها ، ربما بلغ مبلغ القطع واليقين . وبهذا الطريق تمسكنا بالمعجزات