فخر الدين الرازي

201

المطالب العالية من العلم الإلهي

الفصل الأول في أن التمسك بأخبار الآحاد في هذه المسألة هل يجوز أم لا ؟ اتفق الأصوليون على أنه لا يجوز . واحتجوا عليه بوجوه : الحجة الأولى : إن خبر الواحد مظنون . فلا يجوز التمسك به في المسائل اليقينية . وإنما قلنا : إنه مظنون . لوجوه : الأول : إن كل واحد من هؤلاء الرواة . إما أن يحصل القطع بأنه لا يجوز إقدامهم على الكذب ، أو لا يحصل هذا القطع . والأول باطل . لأن ذلك يقتضي القول بكونهم معصومين قطعا . وذلك باطل بإجماع المسلمين . وكيف لا نقول ذلك ، والروافض . لما ادعوا عصمة « علي بن أبي طالب » - رضي اللّه عنه - وبعض أولاده ، كفرهم أكثر المحدثين ، لهذا السبب . فكيف يجوز العاقل ادعاء عصمة هؤلاء الرواة ؟ وأيضا : فنحن نعلم أن القول بعصمة كل واحد من هؤلاء المحدثين كذب وزور وبهتان . وأما الثاني : وهو إن سلموا بأنا لا نقطع بوجوب كونهم صادقين ، فعلى هذا التقدير يجوز كونهم كاذبين ، ومع هذا التجويز كيف يمكن القطع بصحة هذه الأخبار ؟ . واعلم ؛ أن الآفة الكبرى في هذا الباب : أن هؤلاء المحدثين لا يميزون بين حس الظن وبين القطع واليقين . فنحن نسلم أنه يجب علينا إحسان الظن بهؤلاء الرواة . أما الجزم واليقين فلا سبيل إليه . وهؤلاء المحدثون ظنوا أن من سلم حسن الظن بهؤلاء الرواة ، فقد سلم الجزم واليقين . وذلك بعيد .