فخر الدين الرازي

198

المطالب العالية من العلم الإلهي

أغرى بين النصارى واليهود ، فيما كان يفعله كل فريق منهم من ضروب الكفر باللّه . وإنكار القبيح ليس بقبيح ، بل هو حسن . فدل ذلك على أن تلك العداوة ، ليست من القبائح . والجواب : إن إنكار القبيح إنما يحسن إذا أنكره ، لكونه قبيحا . أما إذا أنكره لغرض أن يدعوه إلى قبيح آخر ؛ كان قبيحا . وحينئذ يحصل المطلوب . الحجة التاسعة عشر : قوله تعالى : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، مِنْ رَبِّكَ : طُغْياناً وَكُفْراً . وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ « 1 » والاستدلال به من وجهين : الأول : إن قوله : « وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ، ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ : طُغْياناً وَكُفْراً » معناه : أن إسماع اللّه إياهم هذه الآيات ، اقتضى أن يحصل لهم زيادة ميل ورغبة في الكفر . إذا ثبت هذا فنقول : إسماع تلك الآيات ، اقتضى ترجيح فعل الكفر على فعل الإيمان . وقد دللنا على أن عند حصول الرجحان يجب الفعل . فثبت : أن إسماع اللّه تعالى إياهم هذه الآيت ، يستلزم حصول الكفر . وذلك ينافي قول المعتزلة . والوجه الثاني في الاستدلال : قوله تعالى : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ والاستدلال به كما تقدم . الحجة العشرون : الاستدلال بجميع آيات الهدى والضلال . وسنفرد لذلك بابا على سبيل الاستقصاء . ولنقتصر من ذكر الدلائل القرآنية على هذا القدر . فإن من وقف على ما ذكرناه ، أمكنه الاستدلال بآيات القرآن من وجوه كثيرة ، خارجة عن الحصر . وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية : 64 .