فخر الدين الرازي
188
المطالب العالية من العلم الإلهي
والجواب : أما التأويل الأول : فضعيف . لأن مذهبهم : أن كل ما أمكن في قدرة اللّه تعالى أن يفعل في حقهم من الألطاف ، فقد وجب ذلك وجوبا ، لو ترك لبطلت إلهيته ، ولصار جاهلا أو محتاجا . والشيء الذي يكون ، فأي حاجة إلى الدعاء والتضرع في طلبه ؟ وأما الثاني : فضعيف أيضا . لأن التسديد في التكليف . إن علم اللّه أن له أثرا في حمل المكلف على القبيح ، كان فعله من اللّه قبيحا . وإن علم أنه لا أثر له في حمل المكلف على فعل القبيح ، كان وجوده كعدمه ، فيما يرجع إلى كون العبد مطيعا وعاصيا . فلا فائدة في صرف الدعاء إليه . وأما الثالث : وهو أن يكون المراد أن لا يوقع اللّه علينا اسم الزيغ . فقد تقدم جوابه . وأما الرابع : فجوابه : أنه لو كان علمه بأنه يكفر في السنة الثانية ، يوجب عليه أن يميته في الحال ، لكان علمه بأنه يكفر طول عمره ، يوجب عليه أن لا يخلقه البتة . وأما الخامس : وهو حمله على إبقاء العقل . فضعيف . لأن هذه الآية متعلقة بما هو مذكور قبل هذه الآية . وهو قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ . وأما السادس : وهو أن يحمل ذلك على الحراسة من الشيطان ، ومن شرور النفس . فنقول : ذلك إن كان مقدورا للّه ، فقد وجب فعله ، فلا فائدة في طلبه . وإن لم يكن مقدورا فلا فائدة في الدعاء . فظهر بما ذكرنا : سقوط جملة هذه الوجوه . ثم نقول : المصير إلى هذه التأويلات . إنما يحسن إذا دل الدليل على تعذر إجراء هذا النص ، فهو الحق الصريح . وإذا كان كذلك ، فكيف يصار فيه إلى التأويل .