فخر الدين الرازي
185
المطالب العالية من العلم الإلهي
وقوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ « 1 » وقوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ « 2 » ولا معنى لانشراح الصدر ، إلا حصول العلوم والمعارف . فهذه النصوص كلها دالة على أن المعارف والعلوم إنما تحصل بخلق اللّه تعالى . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من شرح الصدر ، إزالة الخوف والغم والحزن عنه ، بحيث لا يتأذى بكل ما يسمع من المكروهات ؟ فالجواب عنه من وجهين : الأول : إن كل ما يتعلق بالإقدار والتمكين ، وإزالة الموانع والعلل ، كان حاصلا قبل أن قال موسى - عليه السلام - : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي فيمتنع حمل هذا السؤال على تلك الأشياء . الثاني : قيد هذا الشرح بالإسلام . فقال : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ثم قال : فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ وذلك النور ليس إلا المعرفة . واللّه أعلم . الحجة الثانية عشر : أنه كما قال أولا : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي قال بعده : وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وهذا الأمر مجمل ، فوجب حمله على ما تقدم ذكره ، وهو قيامه بتبليغ الرسالة ، وشروعه في تلك المهمات على الوجه الأبلغ الأحسن . ولا يمكن حمل هذا التيسير على الإقدار ، وإزاحة العلل والأعذار . لأن كل ذلك ، كان حاصلا قبل هذا الدعاء . فوجب حمل هذا السؤال على خلق المعرفة والطاعة . الحجة الثالثة عشر : قوله تعالى : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً « 3 » والاستدلال بهذه الآية من وجهين : الأول : إنه تعالى إن كان لا يزيغ القلوب البتة ، ولا يجوز أن يصدر عنه
--> ( 1 ) سورة الشرح ، آية : 1 . ( 2 ) سورة الزمر ، آية : 22 . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية : 8 .