فخر الدين الرازي
182
المطالب العالية من العلم الإلهي
فثبت : أنه لا يمكنه أن يقصد إلى تحصيل الغفلة عن كذا ، إلا مع الشعور بكذا ، لكن الغفلة عن كذا مضادة للشعور . فثبت : أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة ، إلا عند اجتماع الضدين . وهذا محال ، فوجب أن يكون ذاك أيضا محالا . وإذا ثبت هذا ، ثبت أنه لا موجد لغفلات العباد إلا اللّه تعالى . وهذه نكتة قاطعة عقلية في بيان أن خالق الغفلات هو اللّه تعالى . وحينئذ نجعل نص القرآن مؤكدا لهذا البرهان . فثبت أن قوله : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا لا يمكن حمله ، إلا على خلق الغفلة في القلب . أما قوله : « لو كان المراد ذلك ، لكان الواجب ذكر الفاء ، لا ذكر الواو » . فجوابه : إن هذا إنما يلزم لو كان اتباع الهوى من لوازم الإغفال عن ذكر اللّه ، كما أن الانكسار من لوازم الكسر . ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، لأنه لا يلزم من صيرورة الإنسان غافلا عن ذكر اللّه ، صيرورته متبعا للهوى . لاحتمال أن يكون الغافل عن ذكر اللّه ، لا يصير متبعا للهوى . بل يبقى متوقفا ، لابثا في حيز الحيرة . فسقط ما قالوه . الحجة السابعة : إن اللّه تعالى أخبر عن أكابر الأنبياء - عليهم السلام - أنهم اعترفوا بأن الكفر والإيمان من اللّه . فقال حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ « 1 » وقال حكاية عن يوسف - عليه السلام - : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ « 2 » إلى قوله : فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ « 3 » وقال حكاية عن موسى - عليه السلام - : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ « 4 » وقال لمحمد صلوات اللّه عليه وسلامه : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ ، لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا « 5 » وكل هذه النصوص دالة على أن الإيمان والكفر من اللّه .
--> ( 1 ) سورة إبراهيم ، آية : 35 . ( 2 ) سورة يوسف ، آية : 33 . ( 3 ) سورة يوسف ، آية : 34 . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية : 155 . ( 5 ) سورة الإسراء ، آية : 74 .