فخر الدين الرازي
177
المطالب العالية من العلم الإلهي
يترجح أحدهما على الآخر ، إلا بواسطة القصد والمشيئة . وإنما قلنا : إن مشيئة العبد موقوفة على مشيئة اللّه تعالى للقرآن والعقل . أما القرآن . فقوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 1 » ومفعول هذه المشيئة : محذوف . فإما أن يكون التقدير : وما تشاءون إلا إن شاء اللّه ذلك الشيء ، أو يكون التقدير : وما تشاءون شيئا ، إلا إن شاء اللّه مشيئتكم لذلك الشيء . والأول محال . لأن « زيدا » إذا شاء حركة جسم ، وشاء « عمرو » سكونه . فيلزم أن يقال : إن اللّه شاء حركته وسكونه معا . وذلك محال . ولما بطل هذا تعين حمل الآية على الوجه الثاني . فيكون التقدير : وما تشاءون شيئا إلا وشاء اللّه مشيئتكم لذلك الشيء . وأيضا : فالمشيئة مذكورة صريحا ، ومفعول المشيئة غير مذكور صريحا . فإذا حملنا هذه الآية على أن المراد : وما تشاءون شيئا إلا ويشاء اللّه مشيئتكم لذلك الشيء . كنا قد أضمرنا ما لم يسبق ذكره . ولا شك وأن الأول : أولى . فثبت : أن تقدير الآية : وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه مشيئتكم لذلك الشيء . وهذا يدل على أن حصول المشيئة لنا موقوف على مشيئة اللّه تعالى . وأما المعقول : فهو أنه يمكن أن يحصل للعبد مشيئة الإيمان ، وأن يحصل له مشيئة الكفر بدلا عن مشيئة الإيمان . فحصول إحدى المشيئتين بدلا عن الأخرى ، لا بد وأن يكون لترجيح مرجح . فإن كان ذلك للعبد ، عاد الطلب فيه . ويلزم التسلسل . وهو محال . وإن كان هو اللّه فهو المطلوب . فثبت بالقرآن والبرهان : أن صدور الفعل عن العبد ، موقوف على مشيئة لذلك الفعل ، وثبت أيضا بالقرآن والبرهان : أن حدوث تلك المشيئة في قلب العبد متوقف على إن شاء اللّه إحداث تلك المشيئة في قلبه ، وثبت في بدائه العقول : أن الموقوف على الموقوف على الشيء ، موقوف على الشيء . فيلزم القطع بأن صدور الفعل عن العبد ، موقوف على مشيئة اللّه . وذلك هو
--> ( 1 ) سورة الانسان ، آية : 30 .