فخر الدين الرازي

175

المطالب العالية من العلم الإلهي

الفصل الرابع في سائر الدلائل المأخوذة من سائر الآيات الحجة الأولى : الإيمان نعمة . وكل نعمة فهي من اللّه تعالى . ينتج : أن الإيمان من اللّه تعالى . إنما قلنا : إن الإيمان نعمة . لإطباق الأمة على قولهم : الحمد للّه على نعمة الإيمان . وإنما قلنا : إن كل نعمة فهي من اللّه تعالى . لقوله تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ « 1 » . فإن قيل : لا نسلم أن الإيمان نعمة . والإجماع الذي ادعيتم : ادعيتم : ممنوع . سلمنا : أنه نعمة ، وأن كل نعمة فمن اللّه ، حتى ينتج : أن الإيمان من اللّه . إلا أنا نقول : إن كل شيء كما يضاف إلى فاعله ، لأجل أنه فعله ، فكذلك قد يضاف إلى الآمر به ، والمعين عليه . لأجل أنه أمر به ، وأعان عليه . ألا ترى أن الأب إذا علم ولده الأدب ، وأعانه عليه ، صح أن يقال : هذا العلم إنما حصل له من ذلك الأب ومن وجهته ، وإن كان لا يقال : إنه فعله . ونظيره : قول موسى صلوات اللّه عليه ، لما قتل القبطي : هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ « 2 » وما أراد أن الشيطان قتله ، لكن أراد أنه وسوس إليه ، حتى حدث ما حدث . فكذا هاهنا .

--> ( 1 ) سورة النحل ، آية : 53 . ( 2 ) سورة القصص ، آية : 15 .