فخر الدين الرازي

17

المطالب العالية من العلم الإلهي

هذه المقدمة ، فحينئذ يتعذر علينا الاستدلال بإمكان الممكنات على إثبات الصانع . فثبت : إما القول بالجبر ، وإما القول بنفي الصانع . فأما الحكم بأن الإمكان محوج في بعض الصور إلى المرجح ، وفي صور أخرى غير محوج إلى المؤثر - كما هو قول المعتزلة - فهو قول فاسد . ومثال هذه المسألة : سلسلة مركبة من خلق متشابهة في الخلقة ، والصورة ، والقوة ، والضعف . فإذا كان التقدير ما ذكرناه . وامتنع مع هذا التقدير أن يحكم على بعض تلك الخلق بالقوة ، وعلى بعضها بالضعف ، فكذا هاهنا : ما سوى الواحد الأحد ، الحق ، الواجب لذاته : لا بد وأن يكون ممكنا لذاته . وكل الممكنات مشاركة في طبيعة الإمكان . فإن كان الإمكان محوجا إلى المؤثر ، فليكن كذلك في كل الممكنات ، وإن لم يكن محوجا إلى المؤثر ، فليكن كذلك في كل الممكنات . فأما الحكم على بعضها بالاستغناء مع الاشتراك الكل في ماهية الإمكان ، فإنه محض التحكم « 1 » الباطل . وباللّه التوفيق . فهذا تمام الكلام في هذه المقدمة . واعلم : أنه كان يجب [ علينا « 2 » ] أن نبتدئ في الاستدلال « 3 » بكتاب [ اللّه تعالى « 4 » ] ثم بسنة رسوله ثم بالدلائل العقلية . تقديما للنص . إلا أنا لما تأملنا ، وجدنا الاستدلال بتلك النصوص لا يظهر كل الظهور ، إلا بعد الإحاطة بتلك العقليات . فلهذا السبب قدمنا الدلائل العقلية . وباللّه التوفيق

--> ( 1 ) التحكيم ( م ، ط ، ل ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) بالاستدلال ( م ، ل ) . ( 4 ) من ( ط ، ل ) .