فخر الدين الرازي
147
المطالب العالية من العلم الإلهي
أما قوله : « إن قوله تعالى : فَاعْبُدُوهُ يقتضي خروج معناه عن عموم قوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ قلنا : التعارض خلاف الأصل . والوجوه التي عولوا عليها في تقرير هذا المقام ، هي إشارة إلى أنه لا يجوز من اللّه تعالى أن يأمر عبده بالفعل ، لا إذا كان الفعل واقعا ، بقدرة العبد . وسيأتي الجواب عنه ، عند الجواب عن شبههم العقلية . وأما الدلائل العقلية التي ذكروها وزعموا : أنها مخصصة لهذا العموم ، فسيأتي الجواب عنها . قوله : « لم قلتم : إن كونه تعالى موجدا لأعمال العباد ، ينفي كون العبد موجدا لها » ؟ قلنا : حصل الاتفاق بيننا وبين خصومنا على أن حصول مخلوق واحد لخالقين : محال . إلا أن هذا الجواب لا يتم على قول « أبي الحسين » فإن عنده يجوز حصول مخلوق واحد بين خالقين . وأيضا : فالفعل الواقع بقدرة اللّه تعالى ، لو وقع هو بعينه بقدرة العبد ، كان ذلك تحصيلا للحاصل . وهو محال . واللّه أعلم . الحجة الثانية : قوله تعالى : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ . خَلَقُوا كَخَلْقِهِ « 1 » وجه الاستدلال : إن هذا استفهام بمعنى الإنكار ، فكان مقتضاه أنه لم يوجد خالق خلق كخلق اللّه ، ولو كان العبد خالقا لأفعاله ، لكان خلقه كخلق اللّه . لما ثبت أن الذي يخلقه العبد ، فاللّه تعالى يخلق مثل ذلك الشيء . وأيضا : فخلق اللّه تعالى ، لما كان إخراجا من العدم إلى الوجود ، وفعل العبد أيضا كذلك ، كان كل واحد من الفعلين شبيه الآخر ، فكان خلق العبد كخلق اللّه تعالى . وقد بينا : أن النص يدل على أن ذلك باطل . فإن قيل : لا نسلم أن العبد لو كان خالقا ، لكان خلقه ، كخلق اللّه . وبيانه من وجوه : الأول : إن فعل العبد . إما أن يكون طاعة ، أو معصية ، أو عبثا وفعل اللّه ليس كذلك .
--> ( 1 ) سورة الرعد ، آية : 16 .