فخر الدين الرازي

142

المطالب العالية من العلم الإلهي

وذلك التأويل ما نقل عن ابن عباس أنه قال : « إِلَّا وَجْهَهُ » معناه : « إلا العمل الذي يؤتي به لمرضاة اللّه تعالى » وعلى هذا التقدير ، فيكون المراد بوجه اللّه : تلك الأعمال . وحينئذ لا تدل الآية على وقوع اسم الشيء على اللّه تعالى . المقام الثاني : لو سلمنا أنه تعالى مسمى باسم الشيء ، إلا أنه تعالى لما حكم بكونه خالقا لكل شيء . كان هذا تصريحا بأن المراد : كونه خالقا ، لكل ما عداه ، من الأشياء ، لما ثبت أن المخاطب ، لا يندرج تحت الخطاب في أمثال هذه الألفاظ . فهذا مجموع ما قيل في بيان أن هذا العموم غير مخصوص . لأنا نقول : أما بيان أن اللّه تعالى مسمى باسم الشيء . فلإجماع العلماء المتأخرين عليه . ولا عبرة بمخالفة « جهم » فإنه ليس ممن يعتبر قوله في الإجماع . وأما أن هذا التعميم مخصوص فلأن قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ يتناول ذات اللّه . وإنما أخرجناه لما ذكرتم من القرينة . فكان هذا تخصيصا للعموم . ثم نقول : إن هذا العموم مخصوص ، فوجب أن لا يبقى حجة ، لأنه لما دخله التخصيص ، لم يبق ظاهره مرادا . فوجب صرفه إلى بعض المجازات ، وليس بعضها أولى من بعض ، فيصير مجملا . وهذا هو تقرير قول من يقول : إلا أنا نقول : لا شك أن تخصيص عموم القرآن بالدليل : جائز . وهاهنا قد وجدت دلائل متصلة بهذا النص ، ودلائل منفصلة عنه تقتضي تخصيص هذا العموم بالنسبة إلى أفعال العباد . أما الدلائل المتصلة : فمن وجوه : الأول : إن قوله تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مذكور في معرض المدح والثناء . لأنه تعالى قال في سورة الأنعام : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . فَاعْبُدُوهُ . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ « 1 » فأول هذه الآية مدح ، وآخرها مدح ، فوجب أيضا : أن يكون

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية : 102 - 103 .