فخر الدين الرازي

137

المطالب العالية من العلم الإلهي

الثالث : قوله تعالى : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ « 1 » والاستدلال كما تقدم . الرابع : إن الكذب يسمى خلقا واختلاقا . قال تعالى : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ « 2 » وقال : إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ « 3 » وقال : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً « 4 » وما ذاك إلا لأن الكاذب يقدر المعدوم موجودا في ذهنه أولا ، ثم يعبر عنه بلفظه . الخامس : إن أهل اللغة يقولون : خلقت من الأديم خفا ، ومن الشقة قميصا . قال الشاعر : ولا ييط بأيدي الخالقين ، ولا * أيدي الخوالق إلا جيد الآدم وقال : ولأنت تفري ما خلقت ، وبع * ض القوم ، يخلق ، ثم لا يفري وقال الحجاج في خطبته : « أي لا أهم إلا أمضيته ، ولا أخلق إلا فريت » إذا عرفت هذا فنقول : أما الخلق بمعنى الإحداث والإيجاد . فعندنا : أنه - سبحانه - منفرد به . وأما بمعنى التقدير ، فهو أيضا على ضربين : أحدهما : إحداث الشيء على مقدار مخصوص . والخلق بهذا التفسير يرجع حاصله إلى كيفية مخصوصة في الاحداث . فإذا لم يصح الإحداث إلا من اللّه تعالى ، فكذلك التقدير بهذا التفسير ، وجب أيضا أن لا يصح إلا من اللّه تعالى . والثاني : إن حكم الحاكم بأن ذلك الشيء وقع على ذلك المقدار يسمى تقديرا أيضا . يقال : السلطان قدر لفلان من الرزق كذا ، ومن المملكة كذا . والتقدير بهذا التفسير يصح صدوره عن العبد .

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية : 110 . ( 2 ) الشعراء 137 وقراءة حفص بضم الخاء واللام وقرأ الكسائي وغيره خلق بفتح الخاء . ( 3 ) سورة ص 7 . ( 4 ) سورة العنكبوت ، آية : 17 .