فخر الدين الرازي

135

المطالب العالية من العلم الإلهي

الفصل الثاني في التمسك بالآيات المشتملة على لفظ « الخلق » الكلام في تقرير هذا المطلوب ، يستدعي تقديم مقدمة في لفظ « الخلق » فنقول : لفظ الخلق ، جاء بمعنى الإحداث تارة ، وبمعنى التقدير أخرى . أما الأول : فيدل عليه أمور : الأول : قوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ « 1 » ولو كان الخلق

--> ( 1 ) سورة القمر ، آية : 49 . . . ويقول الدكتور علاء الدين أمير محمد مهدي . القزويني : « أما ما يتعلق بأفعال الإنسان . فيمكن القول أن اللّه تعالى قضى بها عليه . على معنى : حكم بها عليه ، وألزمه إياها وأوجبها ، وهذا الإلزام : هو أمره له وليس على سبيل الإلجاء والإجبار . كما يمكن أيضا القول أن اللّه قدر أفعال الإنسان على معنى أنه بين مقاديرها وأوضح تفاصيلها واختلاف أحوالها ، من حسنها وقبحها ، وفرضها وحلالها ، وحرامها ومندوبها . وأما أنه قضاها بمعنى خلقها في الإنسان فباطل لا يجوز ، لأنه إن أريد أنه خلقها فيه ، لقال سبحانه : وقضى في خلقه بالعصيان ولا يقول قضى عليهم ، لأن الخلق إنما يكون في الإنسان لا عليه ، مع أنه تعالى قد أبطل هذا القول بقوله : » الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ السجدة 7 ] فهو صريح في عدم وجود القبيح في خلقه ، وأن كل فعله حسن ، والمعاصي قبائح باتفاق المسلمين ، فوجب نفيها عنه سبحانه . وإن أريد أنه قضى عليه بالمعاصي بمعنى أمره بها فقد أبطل هذا القول أيضا ، قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ . أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ [ الأراف 28 ] فهذا صريح في عدم إرادة هذا المعنى . وإن أريد أن اللّه قضى على الإنسان بالمعاصي بمعنى أعلمه بها ، فغير صحيح أيضا . لأن الإنسان لا يعلم في المستقبل بأنه يطيع أو يعصي . ولا يستطيع أن يحيط علما بما يكون فيه على التفصيل . ولأنه لو خلق الطاعة والمعصية في عباده ، ليسقط اللوم