فخر الدين الرازي

133

المطالب العالية من العلم الإلهي

واعلم . أن هذه الشبهة أيضا : باطلة « 1 »

--> ( 1 ) واعلم : أن هذه الشبهة باطلة . ويدل على بطلانها : معرفة المحكم والمتشابه . فالمحكم قوله تعالى : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت 40 ] والمتشابه قوله تعالى : . . . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ؟ وَما تَعْمَلُونَ ؟ [ الصافات 95 - 96 ] فالمحكم بين أن العبد مستقل بإيجاد الفعل . والمتشابه يحتمل معنيين . الأول : واللّه خلقكم وخلق عملكم . والثاني : أن الآيات في معرض الاستهزاء والتهكم بقوم إبراهيم عليه السلام . أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ من هذه الحجارة ؟ والحال : أن الخالق لكم هو اللّه تعالى . ثم وبخهم بقوله : وَما تَعْمَلُونَ ؟ أي أي شيء تعملونه ؟ إن نحتكم الأصنام من الحجارة عمل باطل . والمتفق مع المتشابه : هو المعنى الثاني ، فيكون هو المراد للّه عز وجل . وعلى هذه الطريقة لا يكون في القرآن موهم للتعارض ولا موهم للتناقض . ولو أن القرآن كله على نسق واحد من الفهم ، لما تميز العالم عن الجاهل . واللّه يريد أن يتميز العالم عن الجاهل . ومثل هذا كثير في التوراة . فإن في سفر أشعياء أن اللّه تعالى « مبدع النور ، وخالق الظلمة ، ومجري السلام ، وخالق الشر » [ أشعياء 43 : 7 ] ومنه نعلم أن اللّه خالق الشر . وإن في سفر التكوين : « ورأى اللّه جميع ما صنعه فإذا هو حسن جدا » [ التكوين 1 : 31 ] ومنه نعلم : أن اللّه ليس خالقا للشر . لأن الشر ليس حسنا جدا . وعلى ذلك فعبارة أشعياء معناها : أن خالق الدنيا على ما هي عليه هو اللّه تعالى . وخلقها على ما هو عليه حسن جدا . فإن اللّه خلق الإنسان وسخر له ما في السماوات وما في الأرض . ولكن قد يسيء الإنسان استعمال النعمة فيحولها إلى نقمة . فمثلا خلق العنب نعمة وهو حسن واللّه مبدعة وخالقه . وإذا جعله الإنسان خمرا وسكر وبالكسر أضاع عقله وفقد عرضه وماله . نقول حينئذ إنه قد صار شرا في العالم . وأصل الشر من اللّه ، لأن العنب الذي هو أصل الشر من إبداع اللّه وخلقه . والإنسان الذي أساء هو أيضا من إبداع اللّه وخلقه . فقول أشعياء « خالق الشر » هو على هذا المعنى ، بحسب إيجاد أصل الأنواع وقد عبر بأن اللّه خالق الشر ، لئلا يتوهم متوهم أن الشرور في العالم تأتى من إله آخر . كما كان يعتقد المجوس . في إلهين اثنين . واحد يأتي بالخير وواحد يأتي بالشر . فلكي يمنع أشعياء من هذا الاعتقاد ، قال بأن الخير والشر من إله واحد . والشرور على أنواع ثلاثة : 1 - ما يصيب الإنسان من جهة طبيعة الكون والفساد 2 - ما يصيب الناس من بعضهم لبعض 3 - ما يصيب الإنسان بسبب فعله هو . وتبين التوراة أن اللّه قال لبني إسرائيل : « هذا قد كان من أيديكم » [ ملاخي 1 : 9 ] وفي سفر الأمثال : « إنما يعمل هذا مهلك نفسه » [ أمثال 6 : 32 ] ونفس المعنى في القرآن الكريم ، يقول تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى 30 ] وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة