فخر الدين الرازي

124

المطالب العالية من العلم الإلهي

الأول : إن العجز إنما يدل على صدق المدعى ، إذا اعتقدنا أنه لا يجوز ظهوره عقيب دعوى الكذاب . فمن اعتقد أنه لا خالق لجميع أنواع الكفر والفواحش إلا اللّه تعالى . فكيف يمكنه أن يقول : إنه لا يجوز من اللّه تعالى إظهار المعجز عقيب دعوى الكذاب ؟ بل نقول : إنه لا يفسده في إظهار المعجز عقيب دعوى الكذب ، إلا أن ذلك قد يؤدي إلى الجهل والتلبيس . فمن قال : إنه تعالى هو الخالق لكل كفر ، وكل جهل ابتداء . فكيف

--> ووجه الدليل في هذا النص . 1 - كلمة « المعزّي » 2 - والأوصاف التي وردت في النص عن « المعزّي » - بضم الميم وفتح العين وتشديد الزاي مكسورة - أما كلمة « المعزّي » فهي في التراجم الحديثة ، وموضوع بدلها في التراجم القديمة كلمة « باركيت » أو فارقليط في بعض التراجم معناها : النائب عن المسيح الذي سيأتي ليعزي بني إسرائيل في فقدهم الملك والنبوة . فمن هو المعزي ؟ أ - يقول النصارى إنه الإله الثالث في الثالوث المقدس . ويقولون : إنه قد أتى بعد رفع المسيح إلى السماء بخمسين يوما . ب - ويقول المسلمون : إنه محمد صلى اللّه عليه وسلم . ويستدلون على قولهم بما يلي : 1 - إن النصارى وعلماء اللغات يقولون إن كلمة « بيركليت » كلمة عبرانية ومعناها : أحمد . وتترجم في اليونانية « بيركليتوس » وحيث أن اللغة العبرانية لم يكن فيها حروف مدّ قبل القرن الخامس الميلادي . فإذن يكون المسيح قد نطق « بيركليت » ولم ينطق « باركليت » ويؤكد هذا أن وجهة نظر النصارى في « المعزّي » وجهة باطلة . لأن التوراة نصت على أن اللّه واحد وكذلك نص الإنجيل . وعلى ذلك فالقول بالتثليث قول باطل . 2 - إن الأوصاف الواردة في النص تدل على شخص بشري . ومن الأوصاف : أنه يبكت العالم ويخبر بكل شيء ويعلم كل شيء ويمجد المسيح ويرشد إلى جميع الحق . 3 - أن اليهود كانوا ينتظرون « النبي » الذي نصت التوراة على مجيئه في زمان المسيح عليه السلام . ولم يخبر المسيح أنه هو ، وقد أخبر يوحنا المعمدان - الذي هو يحيى عليه السلام - بأنه سيأتي من بعده ، بقوله : « يأتي بعدي من هو أقوى مني ، الذي لست أهلا أن أنحني وأحل سيور حذائه » [ متى 3 ] والذي يدل على أن اليهود كانوا ينتظرون هذا النبي زمان المسيح : ما جاء في الأصحاح الأول من إنجيل يوحنا : أن اليهود من أورشليم أرسلوا وفدا من العلماء ليسألوا يحيى : هل أنت النبي ؟ هل أنت المسيح ؟ هل أنت إيلياء ؟ وأجاب يحيى لست المسيح ولست إيلياء ولست النبي . ثم نطق بقوله : « توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات » ونطق بقوله : « يأتي بعدي من هو أقوى مني . . . الخ » ولقد نطق المسيح بمثل قوله فقد بدأ دعوته كما هو مبين في الأصحاح الثالث والرابع من إنجيل متى بقوله لبني إسرائيل : « توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات » مما يدل على تشابههما في الهدف من الدعوة ، وأنهما معا يبشران بمحمد صلى اللّه عليه وسلم .