فخر الدين الرازي

119

المطالب العالية من العلم الإلهي

البحث الثاني في بيان أن بتقدير أن يكون التمسك بالدلائل اللفظية في أمثال هذه المطالب جائز . إلا أنا نقول : التمسك بالدلائل السمعية في إثبات أن العبد غير موجد لأفعال نفسه : غير جائز . واعلم : أن المعتزلة قد أطنبوا في تقرير هذا المقام . وأنا أنقل حاصل ما ذكروه ، وأضم إليه من عندي : وجوها أخرى . أقوى وأكمل مما ذكروه ، ليكون البحث موصلا إلى أقصى الغايات ، وأكمل النهايات . قالوا : إن كل من نفى كون « 1 » العبد موجدا ، فإنه يتعذر عليه إثبات الصانع ، ويتعذر عليه إثبات النبوة ، ويتعذر عليه القول « 2 » بأن القرآن حجة . وإذا كان الأمر كذلك ، ثبت : أن كل من نفى كون العبد موجدا لأفعال نفسه فإنه يتعذر عليه الاستدلال بالدلائل السمعية ، على تصحيح المطلوب . أما بيان أن كل من نفى كون العبد موجدا ، فإنه يتعذر عليه القول بإثبات الصانع . فتقريره من وجوه ثلاثة . الأول : وهو الذي ذكره المعتزلة . قالوا : إن طريقنا إلى إثبات الصانع . هو أن نقول : أفعالنا إنما افتقرت إلينا ، بسبب حدوثها . فإذا كان العالم محدثا ، وجب افتقاره إلى الفاعل . ومعلوم أن بناء هذا الدليل : على افتقار أفعالنا إلينا . فإذا لم نعتقد هذا الأصل ، فقد انسد علينا طريق إثبات الصانع . هذا حاصل كلامهم . وهذا ضعيف من وجهين : الأول : إنا لا نسلم أن هذا الذي ذكرتم : دليل صحيح في إثبات

--> ( 1 ) نفي كل كون ( م ) . ( 2 ) القول بأن القول حجة ( م ) .