فخر الدين الرازي

117

المطالب العالية من العلم الإلهي

القطع بمقتضيات الدلائل العقلية القطعية ، وحمل الظواهر النقلية على التأويل . فثبت بهذا : أن الدلائل النقلية يتوقف الحكم بمقتضياتها على عدم المعارض العقلي . إلا أن ذلك مظنون لا معلوم . التاسع : وهو أن الدليل النقلي . إما أن يكون قاطعا في متنه ودلالته ، أو لا يكون كذلك . أما القاطع في المتن . فهو الذي علم بالتواتر اليقيني صحته ، وأما القاطع في دلالته فهو الذي حصل اليقين بأنه لا يحتمل معنى آخر سوى هذا الواحد . فنقول : لو حصل دليل لفظي بهذه الشرائط ، لوجب أن يعلم كل العقلاء صحة القول بذلك المذهب . مثاله : إذا استدللنا بآية أو بخبر على أن اللّه تعالى خالق لأعمال العباد . فهذا إنما يتم لو كانت تلك الآية ، وذلك الخبر مرويا بطريق التواتر القاطع ، وأن تكون « 1 » دلالة تلك الآية وذلك الخبر على هذا المظنون غير محتمل البتة ، لوجه آخر . احتمالا راجحا أو مرجوحا . وإلا لصارت تلك الدلالة ظنية . ولو حصل دليل سمعي لهذا الشرط ، لوجب أن يعرف كل المسلمين صحة ذلك المطلوب بالضرورة ، من دين محمد عليه الصلاة والسلام . ولو كان الأمر كذلك ، لما اختلف أهل الإسلام في هذه المسألة ، مع إطباقهم على أن القرآن حجة . ولما لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن شيئا من هذه الآيات ، لا يدل على هذا المطلوب ، دلالة قطعية يقينية . بل كل آية يتمسك بها أحد الخصمين ، فإنه لا بد وأن يكون محتملا لسائر التأويلات ، ولا يمكننا دفع تلك التأويلات إلا بالترجيحات [ الظنية « 2 » ] والمدافعات الإقناعية . ومعلوم أن كل ذلك يفيد الظن . العاشر : إن دلالة ألفاظ القرآن على هذا المطلوب . إما أن تكون دلالة مانعة من النقيض أو غير مانعة منه . والأول باطل . أما أولا فلأن الدلائل

--> ( 1 ) لا تكون ( م ، ل ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) .