فخر الدين الرازي

108

المطالب العالية من العلم الإلهي

التعيين . فنقول : هذا أيضا محال . وذلك لأن اعتقاد أن الشيء كذا ، قد يكون علما - إذا كان مطابقا لذلك المعتقد - وقد يكون جهلا ، وهو إذا كان غير مطابق . فالعلم إنما يتميز عن الجهل ، إذا عرف كونه مطابقا لذلك المعتقد [ وقد يكون جهلا ، وهو إذا كان غير مطابق « 1 » ] فعلى هذا لا يمكن أن يقصد إلى العلم دون الجهل ، إلا إذا ميز بين العلم وبين الجهل ، ولا يمكنه أن يعرف هذا الامتياز إلا إذا عرف أن هذا الاعتقاد مطابق للمعتقد ، ولا يمكنه أن يعرف هذه المطابقة ، إلا إذا عرف أو لا حال ذلك المعتقد في نفسه . فثبت : أنه لا يمكن أن يجعل نفسه عالما بذلك الشيء ، إلا إذا كان قد عرف أولا حال ذلك الشيء . وذلك يقتضي كون الشيء مشروطا بنفسه . وهو محال . فثبت : أن إقدار الانسان على جعل نفسه ، عالما بشيء : أمر محال . وبهذا البرهان يظهر أيضا : أن الإنسان لا يمكنه أن يجعل نفسه جاهلا بشيء . لأن الجهل إنما يتميز عن العلم ، بكونه غير مطابق للمعتقد . ولا يمكنه أن يعرف كونه غير مطابق للمعتقد ، إلا إذا عرف قبل ذلك ، حال ذلك المعتقد في نفسه . فثبت : أنه لا يمكنه تحصيل الجهل لنفسه ، إلا إذا كان عالما بذلك الشيء . وهذا يقتضي كون أحد الضدين مشروطا بالآخر ، وإنه محال . فثبت بهذه البراهين القاطعة : أن كل ما حصل في قلوب الخلق وعقولهم من العلوم والجهالات ، فالكل من اللّه [ وبإيجاد اللّه « 2 » ] . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إنه وإن كان لا يمكنه إحداث العلوم والجهالات في نفسه ابتداء ، إلا أنه يمكنه إحداثها بواسطة علوم متقدمة عليها ، أو جهالات متقدمة عليها ؟ قلنا : الجواب من وجهين : الأول : إن تلك الجهالات لا تتسلسل ، بل تنتهي إلى جهل أول . فيكون خالقه هو اللّه سبحانه .

--> ( 1 ) من ( ط ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) .