فخر الدين الرازي
96
المطالب العالية من العلم الإلهي
والثاني : أن من المعلوم أن كل واحد من هذين السببين المستقلين ، لو انفرد ، لكان مستقلا بالتكوين والتأثير ، إلا أن حضور الآخر منعه من التأثير . فنقول : المانع لهذا المؤثر ، ليس هو ذات المؤثر الثاني ، ولا شيء من صفاته ، بل كون هذا الأثر صادرا من هذا يمنع صدوره من ذاك ، ولذاك بالضد . ومعلوم : أن المعلول لا يحصل إلا عند حصول العلة . فإذا كان المانع من صدور [ ذلك الأثر عن هذا ، ليس إلا صدوره عن ذاك ، والمانع من صدوره « 1 » ] من ذاك ليس إلا صدوره عن هذا ، وثبت أن المعلول لا يوجد إلا عند وجود العلة ، فلو امتنع الطرفان ، لزم القول بحصول الطرفين ، حتى يكون كل واحد منهما مانعا من الثاني ، فيلزم من امتناع استناده إليهما معا ، حصول استناده إليهما معا [ وكنا قد ذكرنا في القسم الأول : أنه يلزم من حصول استناده إليهما معا ، امتناع استناده إليهما معا « 2 » ] وكل ذلك محال . وأما القسم الثلث وهو أن يقع بأحدهما دون الثاني : فنقول : هذا باطل لوجهين : الأول : إن العقل يقتضي أن يندفع الأضعف بالأقوى ، ولا شك أن ممكن الوجود ، أضعف من واجب الوجود . وعلى هذا التقدير فلا موجد ولا مؤثر « 3 » إلا اللّه . الثاني : إن كل شيء يخرج من العدم إلى الوجود فهو في نفسه ، إما شيء واحد وإما مركب من أشياء ، يكون كل واحد منها في نفسه شيئا واحدا ، والشيء الواحد في نفسه لا يقبل التفاوت أصلا . وإذا كان هو في نفسه غير قابل للتفاوت [ كانت القدرة على إيجاده غير قابلة للتفاوت أصلا ، وإذا كان كذلك « 4 » ] امتنع أن يقال : إن أحد المؤثرين أقوى وأكمل في التأثير بالنسبة إلى ذلك الشيء الواحد .
--> ( 1 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 2 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 3 ) إلا الحق سبحانه وتعالى ( ت ، ط ) . ( 4 ) من ( ل ) ، ( طا ) .