فخر الدين الرازي
85
المطالب العالية من العلم الإلهي
الفصل الثالث عشر في البحث عن الطريق الذي يعرّف الرسول كونه رسولا من عند الله عز وجل قال الطاعنون في المعجزات : هب أن الأمة يعرفون بواسطة المعجزات كون الرسول إنسانا أمينا صادقا في دعواه . أما الرسول فكيف يعرف كونه رسولا ؟ وذلك لأن ثبوت رسالته ، إما أن يكون لأجل أن اللّه تعالى يرفع الواسطة من البين . ويقول : أيها العبد أنت رسولي إلى الخلق ، وإما أن يكون لأجل أن اللّه تعالى يرسل إليه ملكا ، ويقول له ذلك الملك : أنت رسول اللّه تعالى إلى الخلق . أما القسم الأول : فبعيد . وأكثر الأنبياء مطبقون على أنهم إنما جاءتهم الرسالة من عند اللّه بواسطة الملك . فيبقى القسم الثاني ، فنقول : كما أن الأمة مفتقرون في التمييز بين المدعي المحق ، وبين المدعي المبطل إلى الحجة ، فكذلك الرسول لا يمكنه التمييز بين الملك المعصوم ، وبين الشيطان المرجوم ، إلا بالمعجز . لكن لا سبيل إلى هذا المعجز . وذلك لأن الرسول البشري لا يعرف ما يوافق العادة ، في عالم الملائكة ، وما يخالف العادة هناك . فكل معجز يأتي به الملك في تقرير أنه محق ، فإن الرسول البشري يجوز أن يكون ذلك أمرا موافقا للعادة في عالم الملائكة . وبهذا التقدير فإن ذلك الملك لا يقدر على تقرير الحجة على كونه ملكا معصوما . فإن قالوا : إنه إذا أتى الملك بفعل خاص ، ثبت بالدليل أنه لا يقدر على إحداثه أحد إلا اللّه سبحانه وتعالى - فحينئذ يعرف