فخر الدين الرازي
82
المطالب العالية من العلم الإلهي
والحكيم إذا فوض أعظم المناصب وأجلها إلى بعض عبيده ، فإنه لا يليق به إلقاء ذلك العبد في الذل والهوان . ونرى أن الرسول البشري واقعا في الذل والهوان ، بسبب الجوع والفقر [ والخوف من الأعداء « 1 » ] والفرار من قرية إلى قرية أخرى ، وطلب الأموال القليلة من أصحابه . فيثبت بهذه الوجوه : إن إرسال الرسول من الملائكة أفضى إلى المقصود [ من إرساله من البشر « 2 » ] . [ فإن قالوا : إرسال الرسول من الملائكة ، يوجب أنواعا من المفاسد . أولها : أن الأمة إما أن يشاهدوا ذلك الملك على صورته الأصلية ، أو على صورة أخرى مستعارة ، والأول يوجب الخوف الشديد ، وزوال العقل . ألا ترى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى جبريل عليه السلام على خلقته الأصلية « 3 » غشى عليه . والثاني باطل . لأنه إذا رأى الملك على صورة الإنسان ، فحينئذ لا يبقى بينه وبين الإنسان فرق . وثانيها : إن الملائكة فيهم شدة عظيمة « 4 » وقهر شديد ، فهم لا يسامحون البشر في زلاتهم ومعاصيهم ، بخلاف الرسول البشري . وثالثها : إن الجنس إلى الجنس أميل . فإلف الناس برسول يأتيهم من جنسهم ، أكمل من إلفهم بالملك . قلنا : أما السؤال الأول فمدفوع . فإنا نقول : خلق الخوف ، والفزع في قلوب العباد من اللّه تعالى ، فكان يجب أن يجعل قلوب البشر ، بحيث إذا شاهدوا الملك ، لم يفزعوا منه ، فيصير هذا المعنى معجزة على صدق ذلك الملك .
--> ( 1 ) سقط ( ت ) . ( 2 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 3 ) الأولى ( ت ) . ( 4 ) قوة شديدة ( ت ) .