فخر الدين الرازي

74

المطالب العالية من العلم الإلهي

أما المقام الأول في بيان أن التواتر قد حصل في صور ، اتفق المسلمون بها على كونه باطلا ، فتقريره من وجوه : الأول : إن اليهود على كثرتهم وتفرقهم في مشارق الأرض ومغاربها ، يخبرون عن موسى عليه السلام أنه قال : إن شريعتي باقية وأنها لا تصير منسوخة البتة . وأنه - عليه السلام - قال : « عليكم بالسبت ما دامت السماوات والأرض « 1 » » فهذا الخبر إما أن يكون صدقا أو كذبا . فإن كان صدقا ، فقد بطلت شريعتكم ، وإن كان كذبا ، فقد صار هذا التواتر باطلا . والثاني : إن اليهود ، مع كثرتهم وتفرقهم في مشارق الأرض ومغاربها ، يخبرون : أن التوراة التي معهم ، هي عين التوراة التي أنزلها اللّه على موسى . والمسلمون ينازعون فيه ، ويقولون : إن هذا الكتاب محرف ومبدل ، وأن الذي أنزله اللّه على موسى ، لم يبق في أيدي اليهود منه شيء البتة . وهذا أيضا طعن في التواتر « 2 » . والثالث : إن اليهود والنصارى على كثرتهم وشدة عداوة بعضهم لبعض ، أطبقوا على صلب عيسى - عليه السلام - وقتله . والمسلمون أطبقوا على تكذيبهم فيه . وهذا أيضا طعن في التواتر « 3 » .

--> ( 1 ) من نصوص التوراة : « فيحفظ بنو إسرائيل : السبت ، ليصنعوا السبت في أجيالهم عهدا أبديا . هو بيني وبين إسرائيل علامة إلى الأبد » [ تثنية 31 : 16 - 17 ] . ( 2 ) المسلمون لا يطعنون في تواتر التوراة المتداولة ، فهم يعرفون أنها من كتابة « عزرا » في مدينة « بابل » وتواترت من بعد عزرا . وإنما يستدلون من نصوص التوراة التي كتبها عزرا : على أن التوراة التي بيد اليهود والنصارى اليوم - وهي التي كتبها عزرا - كتب من بعد موت موسى بزمان طويل . وهذا يعني أن إضافات حصلت لم يشهدها موسى . ويستدلون من مقارنة التوراة السامرية بالعبرانية : أن الاختلاف اللفظي والمعنوي حاصل فيهما . ولو كانت التوراة المتداولة هي الأصلية لكانت واحدة مع جميع فرق اليهود ، ولكانت خالية من الاختلافات . ففي آخر سفر التثنية : « فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب ، ودفنه في الجواء في أرض موآب ، مقابل بين فغور ، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم » وفي التوراة السامرية في الوصايا العشر : تقديس جبل جرزيم ، وليس من إشارة إلى تقديسه في التوراة العبرانية . ( 3 ) لم يحدث الإطباق . فإن الكتب النصرانية القديمة جاء في بعضها : أن المسيح لم يقتل ولم يصلب ، وهذا يبطل التواتر [ اقرأ : إنجيل برنابا . واقرأ ما كتبه جرجي زيدان والمستشرق سيل ، في هذا الموضوع ] .