فخر الدين الرازي
47
المطالب العالية من العلم الإلهي
على الرسول ؟ [ ومع هذا الاحتمال ، فكيف يمكن القطع بأنها من فعل اللّه ؟ « 1 » ] . واعلم : أن هذا السؤال : قد ذكره اللّه تعالى في القرآن ، فقال في سورة الشعراء : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ « 2 » . ثم قال بعده : « وما تنزلت به الشياطين [ وما ينبغي لهم وما يستطيعون . إنهم عن السمع لمعزولون » والتقدير : [ إنه لما ادعى « 3 » ] أنه تنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين على قلبه . فكأن قائلا قال : ولم لا يجوز أن يقال : إنه من تنزيل الشياطين ؟ فلهذا السبب قال : « وما تنزلت به الشياطين « 4 » » ثم إنه أجاب عنه بقوله : « هَلْ أُنَبِّئُكُمْ : عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يُلْقُونَ السَّمْعَ ، وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ » « 5 » . وستعرف حقيقة هذا الجواب بعد ذلك . واعلم أن كفار قريش كانوا يؤكدون هذا السؤال بوجه آخر ، فيقولون : إنه من المشهور عند جمهور العرب : أن لكل شاعر صاحبا من الجن يعينه على الشعر - ويهديه إلى دقائقه ، ويرشده إلى مضايقه . فقالوا لمحمد عليه السلام : لما كان هذا مشهورا في حق الشعراء ، فلم يجوز مثله في حقك ؟ فأجاب عنه في آخر هذه الآيات بقوله : « وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ « 6 » » وستعرف حقيقة هذا الجواب في الفصول الآتية . والمقصود هاهنا : بيان أن هذا السؤال مشهور ، مذكور من أول الأمر .
--> ( 1 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 2 ) الشعراء 192 - 194 . ( 3 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 4 ) سقط ( ت ) . ( 5 ) الشعراء 220 - 222 . ( 6 ) الشعراء 223 .