فخر الدين الرازي
43
المطالب العالية من العلم الإلهي
وأما الراغبون في المتناولات فشهواتهم مختلفة ، فكل واحد منهم يشتهي نوعا آخر من الطعام ، ويبغض النوع الآخر . وأما الراغبون في جمع المال فهم أيضا مختلفون ، فمنهم من يحب العقارات ، ومنهم من يحب المراكب الجميلة ، والثياب الحسنة . ومنهم من يحب أثاث البيت ومنهم من يحب جمع المال ودفنه في الأرض . وأما الراغبون في الجود والكرم ، فمنهم من يحب الإطعام ، ولا يحب بذل النقود ، ومنهم من يسهل عليه بذل النقود ، ولا يحب الإطعام . وأما الراغبون في الزهد ، فمنهم من يكون زاهدا في أموال الناس ، فاجرا في الفروج ، ومنهم من يكون مقداما على القتل « 1 » والإيذاء ، ممتنعا عن الفواحش ، ومنهم من يكون عظيم الفحش باللسان ، إلا أنه يكون بعيدا عن القتل وإفساد المال . واعلم أن تمام الكلام في تفاصيل أحوال الناس في الصفات : محال . إلا أن التنبيه على هذه الأقسام يكفي في تنبه العقل لتمام هذه الأقسام . وإذا ثبت هذا ، فنقول : اختلاف الناس في هذه الصفات لا بد وأن يكون ، إما لاختلاف جواهر النفوس أو إن كانت [ النفوس متساوية في تمام الماهية إلا أن اختلاف هذه الآثار إنما كان لاختلاف « 2 » ] الأمزجة والآلات البدنية . وعلى كلا التقديرين « 3 » فإنه لا يمتنع حدوث إنسان مخالف لسائر الناس ، إما في جوهر النفس ، وإما في الآلات البدنية ، والتركيبات المزاجية . ولأجل تلك الخصوصية ، قدر على الإتيان بما يعجز عنه غيره . الاحتمال الثاني : إنا نشاهد الأدوية المختلفة مختلفة في التأثيرات على ما سيأتي في شرح هذا الباب -
--> ( 1 ) التعبد ( ت ) . ( 2 ) سقط ( ت ) . ( 3 ) وعلى هذه التقديرات ( ت ) .