فخر الدين الرازي
36
المطالب العالية من العلم الإلهي
يكون الإبصار واجبا . وتلك الشرائط الثمانية هي هذه : أحدها : أن تكون الحدقة سليمة عن الآفات والعيوب . وثانيها : أن يكون الشيء بحيث يصح إبصاره . وثالثها : أن لا يكون المرئي في غاية القرب من الحدقة . ورابعها : أن لا يكون في غاية البعد . وخامسها : أن لا يكون في غاية اللطافة . وسادسها : عدم الساتر والحاجب . وسابعها : أن لا يكون في غاية الصغر . وثامنها : أن يكون مقابلا للرائي ، أو في حكم المقابل له . فعند حصول هذه الشرائط ، أطبقت الفلاسفة والمعتزلة على أن الابصار يكون واجبا . وأما عند اختلالها [ أو اختلال « 1 » ] بعضها [ فإن الابصار « 2 » ] يكون ممتنعا . وأما أبو الحسن الأشعري فمذهبه : أن عند حصول هذه الأشياء يجوز أن لا يحصل الإبصار ، وعند عدمها يجوز أن يحصل . فعلى هذا لا يمتنع أن يحضر عندنا جبال شاهقة ، وأصوات عالية ، ونحن لا نبصرها ، ولا نسمعها ، ولا يمتنع أيضا أن يبصر الأعمى الذي يكون بالمشرق : بقّة « 3 » بالمغرب . فهذا مذهبه : المسألة الثالثة : إن مذهبه أنه يجوز انقلاب الجبال ذهبا إبريزا . ويجوز انقلاب مياه الأودية دما ، وغيره ، ويجوز حدوث الإنسان من غير الأبوين . وبالجملة فينكر جميع التأثيرات والطبائع والقوى . وأما الفلاسفة فإنهم أطبقوا على إنكار خوارق العادات ، إلا أنه يلزمهم القول بالاعتراف بها في المسائل : المسألة الأولى : إنهم جوزوا حدوث إنسان « 4 » بالتولد لا بالتوالد . وقرروا ذلك بأن قالوا : البدن الإنساني إنما تولد من مقادير مخصوصة من العناصر
--> ( 1 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 2 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 3 ) بقية المغرب ( ت ) . ( 4 ) حدوث التولد ، لا بالتولد ( ت ) .