فخر الدين الرازي
19
المطالب العالية من العلم الإلهي
أحدهما بعينه أو لا بعينه . والثاني محال . لأن ما لا يكون متعينا في نفسه ، امتنع كونه موجودا [ وما يمتنع كونه موجودا « 1 » ] يمتنع اتصاف غيره به ، فكان يجب أن يكون قولنا : إن هذه القضية واجبة الاتصاف بأحدهما لا بعينه : قولا محالا . ولما بطل هذا ، ثبت : أن القول بأن الواجب أحدهما [ لا بعينه قول باطل ، فوجب أن يكون الواجب هو أحدهما « 2 » ] بعينه . وإذا كان كذلك ، كان نقيضه محالا ، فكان القول بالجبر لازما . فيثبت بهذه الوجوه الخمسة عشر : أن القول بالجبر حق . وتمام الكلام في هذا الباب سيأتي في الكتاب التاسع « 3 » [ إن شاء اللّه تعالى « 4 » ] . وأما المقدمة الثانية : فهي في بيان أنه متى كان القول بالجبر حقا ، كان القول ببطلان التكليف حقا . فالدليل عليه : أن العبد ما لم يكن قادرا على الفعل والترك ، كان أمره عبثا ، لأن ما يوجب الفعل - إن حصل - فذلك الفعل حاصل وجوبا ، سواء أراده العبد ، أو لم يرده [ وإن حصل ما يوجب الترك ، فذلك الترك حاصل ، سواء أراده العبد ، أو لم يرده « 5 » ] وإذا كان كذلك ، فنقول : القائل له : افعل : أو لا تفعل : يكون جاريا مجرى ، ما إذا قيل له : افعل يا من لا يفعل . وأيضا . فلو جاز ذلك ، لجاز أن يؤمر بطوله وقصره ولونه ، لجاز أن يؤمر بإيجاد السماوات والعرش والكرسي ، مع أنه لا قدرة له على شيء منها . وأيضا : لو جاز ذلك ، لجاز إرسال الرسل إلى العميان بنقط المصاحف ، وإلى المفلوجين بأن يطيروا إلى السماوات . وكل ذلك ظاهر الفساد .
--> ( 1 ) سقط ( ت ) . ( 2 ) سقط ( ت ) . ( 3 ) هذا يدل على أن كتاب « الجبر والقدر » أو « القضاء والقدر » من أجزاء « المطالب العالية من العلم الإلهي » . ( 4 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 5 ) من ( ل ) ، ( طا ) .