فخر الدين الرازي
177
المطالب العالية من العلم الإلهي
--> انتقال الشمس من الجوزاء إلى السرطان ، تأخذ في الهبوط ، ونقصان النهار ، وزيادة الليل ، وعند الانتقال من القوس إلى الجدي ، تنتقل الشمس من الهبوط إلى الصعود ، ومن غاية انتقاص النهار إلى ازدياده . فالجدي أفضل من السرطان . فلهذا جعلوا الجدي باردا يابسا . والسرطان باردا رطبا . فصارت طبائع هذه البروج الأربعة : معلومة . ثم نقول : الحرارة والبرودة فاعلتان . واليبوسة والرطوبة منفعلتان . والفاعل قوي ، والمنفعل ضعيف . فلو توالى حاران ، أو باردان ، لعظم التسخين أو التبريد ، ولهلك العالم . فوجب أن يحصل برج حار ، ثم برج بارد ، ثم حار ، ثم بارد ، وأما المنفعلتان ، فلو حصل يابس ثم رطب ، لاعتدل كل واحد منهما بالآخر ، ولبطل تأثير كل واحد منهما ، فالأصوب أن يحصل يابسان ، ثم رطبان . وهكذا على الترتيب . وإذا ظهرت هذه المقدمات ، وجب أن يكون الأول حارا يابسا ، والثاني بارد يابسا ، والثالث حارا رطبا ، والرابع باردا رطبا . وكذا القول في الأربعة الثانية والثالثة . وإذا عرفت هذا فنقول : قد عرفت : أن أربعة منها منقلبة ، وهي أوائل الفصول . والأربعة الثانية : ثابتة ، وهي أوساط الفصول ، والأربعة الثالثة ذوات الجسدين . والوجه الثاني : في قسمة الفلك باثني عشر قسما : القسمة المبنية على الطالع . وما رأيت لأحد في تعيين هذه البيوت : علة مناسبة . والذي حصلته أن نقول : إن أربعة منها : وهي الطالع والرابع والسابع والعاشر . أما الطالع فإنه يدل على الابتداء في كل شيء . ويقال له : بيت الحياة والنفس . والسبب فيه : أن درجة الطالع ظهرت بعد الخفاء ، كما أن الولد ظهر في هذا العالم بعد الخفاء ، فلما حصلت المشابهة بينهما من هذا الوجه ، لا جرم جعل الطالع دليلا عليه . واعلم : أن البرهان الأعظم في علم النجوم : هو كون أحدهما مشابها للآخر من بعض الوجوه ، وأما الوتد الثاني وهو الرابع فإنه وتد الأرض ، لأجل أنه تحت الأرض . وله صفات : أحدها : أنه وتد الأرض ، يشبه الأصل الذي منه يظهر الطالع ، ومنه يتولد فلا جرم جعل دليلا على الآباء والأجداد ، ومشايخ أهل البيت . وثانيها : أنهم نسبوا الأملاك والعقارات إليه . وثالثها : أنه لما كان في غاية الخفاء ، نسبوا إليه عواقب الأمور ، لكن العواقب مخفية غير معلومة . وأما الوتد الثالث : وهو السابع . فهو بيت مقابل للطالع ، وهو يدل على المقابل . فلهذا يقال : إنه بيت الأضداد والشركاء والأزواج . وأما الوتد الرابع ، وهو العاشر ، فهو أرفع بيت في الفلك . فلهذا يقال : إنه بيت للسلطان والقوة . ولما كان العاشر سابع والرابع ، وكان الرابع دليلا على الآباء ، كان العاشر دليلا على الأمهات . فهذا هو الحكم على هذه البيوت الأربعة . واعلم : أنه حصل بيتان أخوان ينظر الطالع إليهما من التثليث . وهذا النظر يفيد كمال المحبة والخير ، وهما الخامس والتاسع ، لكن الخامس تحت الأرض ، والتاسع فوق الأرض . والذي يكون تحت الأرض أقل شرفا مما يكون فوق الأرض . والجسماني أقل طرفا من الروحاني ، والأشرف منسوب إلى الأشرف ، فلا جرم جعلوا الخامس دليلا على ما يفيد الفرج ، بسبب الروحانيات ، فصار الخامس بيت الأولاد والرسل والأخيار والهدايا وغلة البضائع ، وصار التاسع بيت الدين والنبوة والعلم والأفعال الصائبة ، وهو أيضا بيت الأسفار الطويلة . إلا أن هذه الأسفار قد تفيد المنافع العظيمة ، وتفيد تهذيب الأخلاق ورياضة النفس ، والوقوف على الحقائق الخفية .