فخر الدين الرازي
160
المطالب العالية من العلم الإلهي
وثالثة ورابعة وخامسة « 1 » ] وتعرف الأحوال الفلكية ، وحدها مثل الحالة الأولى فحينئذ يحصل في القلب : ظن قوي بأن ذلك الوضع الفلكي المعين ، يوجب حدوث النوع الفلاني من الحوادث في هذا العالم . والحاصل : أن التجربة عبارة عن الاستدلال بحدوث الحوادث المخصوصة في هذا العالم ، على معرفة طبائع الأوضاع الفلكية ، فإذا تأكدت تلك التجربة ، فبعدها يستدل بحصول ذلك الوضع الفلكي المعين ، على حدوث ذلك النوع من الحوادث في هذا العالم . واعلم : أن هذا الاستدلال قد اعتبره أهل الأرض من الزمان الأقدم إلى الآن . فمن أراد أن يصير ماهرا في هذا العلم ، وجب عليه أنه كلما رأى نوعا من الحوادث في هذا العالم ، أن يستقصي في تعرف الوضع الفلكي المقارن لحدوث ذلك الحادث ، ويقابل تجربته بأقوال المتقدمين ، فإذا واظب على هذا الطريق مدة مديدة ، واتفق أن كانت نفسه مناسبة لهذا العلم بحسب الفطرة الأصلية : يبلغ فيه مبلغا عظيما . فهذا بيان طريق القياس والتجربة . وأما الطريق الثالث وهو طريق الوحي والإلهام : فهذا أيضا متفق عليه عند أصحاب هذا العلم . حكى : تنكلوشا : أن ذواناي « 2 » سيد البشر . لما بلغ في تصفية النفس ، ورياضة الذهن ، لاحت له من الصور الفلكية ، ما لا يمكن وصفه . واعلم : أنك لا ترى دينا من الأديان ، ولا مذهبا من المذاهب ، إلا وأكثر أصوله يكون مبنيا على النقل عن السلف . فلا يبعد مثله أيضا في هذا العلم [ واللّه أعلم « 3 » ] .
--> ( 1 ) من ( ل ) . ( 2 ) دواباتي شتيه شدة البشر ( ت ) . ( 3 ) من ( ل ) .