فخر الدين الرازي
113
المطالب العالية من العلم الإلهي
ومن جملة السور اللائقة بهذا المعنى سورة العصر . فبدأ بقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ وذلك لأنا بينا أنه حصل في بدنه تسعة عشر نوعا من أنواع القوى ، وكلها تجره إلى الدنيا وطيباتها ولذاتها . وهي الحواس الخمس الظاهرة ، والخمس الباطنة ، والشهوة والغضب ، والسبعة النباتية . فمجموعها تسعة عشر ، وهي الزبانية الواقفة على باب جهنم : الجسد . وأما العقل ، فإنه مصباح ضعيف . إنما حصل بعد استيلاء تلك التسعة عشر على مملكة البدن ، وإذا كان كذلك ، فالظاهر أن حب الدنيا يستولي على النفوس والأرواح . فإذا مات البدن ، بقيت النفس في الخسران والحرمان . فلهذا قال : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ثم إنه استثنى من هذا الخسران ، إنسانا يتناول ترياق الأربعة ، وهو ترياق روحاني من أخلاط أربعة روحانية . أولها : كمال القوة النظرية ، وهو قوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وثانيها : كمال القوة العملية [ وهو قوله : وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وثالثها : السعي في تكميل القوة النظرية للغير ، وهو قوله : وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ ورابعها : السعي في تكميل القوة العملية « 1 » ] للغير ، وهو قوله : وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وإنما عين الصبر ، لأن البلاء الأكبر في دعاء الشهوة إلى الفساد ، والغضب إلى الإيذاء ، وسفك الدماء ، كما أخبر عن الملائكة أنهم قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ؟ « 2 » فإذا قدر الإنسان على الصبر ، عن إجابة الشهوة والغضب ، فقد فاز بكل الخيرات في القوة العملية . ومن جملة الآيات الدالة على صحة ما ذكرناه : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طلبوا منه المعجزات القاهرة في قوله : وَقالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً « 3 » ثم إنه تعالى قاله له : قُلْ : سُبْحانَ رَبِّي . هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ؟ يعني : كون الشخص إنسانا موصوفا بالرسالة ، معناه : كونه كاملا في قوته النظرية والعملية ، وقادرا على معالجة الناقصين في
--> ( 1 ) من ( ل ، ط ) . ( 2 ) البقرة 30 . ( 3 ) الإسراء 90 .