فخر الدين الرازي

65

المطالب العالية من العلم الإلهي

وسنين أيضا : أن الإيجاد والتكوين لا يمكن إلا بالقصد « 1 » إلى الإيجاد ، ونبين أن ماهية العزم مخالفة « 2 » لماهية القصد ، ونبين أن العزم على الفعل ، يمتنع أن ينقلب بعينه قصدا إلى الفعل ، وأنه لا بد من الاعتراف بأنه يبطل ذلك العزم ، وأنه يحدث القصد « 3 » وعند هذا يظهر فساد قول من يقول : إن ذلك العزم يكفي في إحداث العالم في الوقت المعين . فهذه جملة الدلائل المذكورة على إبطال الجواب الأول . وأما الجواب الثاني : وهو قولهم : إنما اختص حدوث العالم بذلك « 4 » الوقت المعين ، لأجل أن إحداث العالم في ذلك الوقت أصلح وأنفع للمكلفين . فنقول : هذا الجواب أيضا في غاية الضعف . والذي يدل عليه وجوه : الحجة الأولى : إن الوقت المشتمل على المصلحة الراجحة . هل كان حاصلا « 5 » في الأزل ، أو ما كان حاصلا . فإن كان حاصلا ، لزم حصول الفعل في الأزل . وإن قلنا : إنه لو كان حاصلا في الأزل ، مع أن ذلك الوقت أحد الأمور المعتبرة في المؤثرية ، فحينئذ يكون هذا قولا بأن كل ما لا بد منه في كونه تعالى مؤثرا في الفعل ، وموجدا له : ما كان حاصلا في الأزل . لكنا بينا بالدليل أن ذلك باطل . الحجة الثانية : أن نقول : هب أن ذلك الوقت ، اختص بهذه الزيادة من المصلحة . إلا أنا نقول : اختصاص ذلك الوقت بتلك الزيادة من المصلحة ، هل يقتضي وجوب تخصيص إحداث العالم بذلك الوقت ، أو لا يقتضي وجوب هذا التخصيص ؟ فإن كان الأول فحينئذ يكون إله العالم موجبا بالذات لا فاعلا

--> ( 1 ) إلا بقصد الإيجاب ( ت ) . ( 2 ) مخالفة الفعل ونبين العزم ( ت ) . ( 3 ) بالقصد ( ت ) . ( 4 ) العالم بالوقت ( ت ) . ( 5 ) حاضرا ( ت ) .