فخر الدين الرازي
408
المطالب العالية من العلم الإلهي
أيضا أن يوجب سائر الحوادث . وإذا جوزنا ذلك ، فحينئذ لا يمكننا الاستدلال بحدوث الحوادث على وجود الإله الحكيم . والثالث أيضا باطل . لأن الكلام الذي ذكرناه في تخصيص ذلك الوقت ، بالشروع في إحداث العالم ، عائد بعينه في تخصيص ذلك الوقت بتلك الخاصية . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : الإله الحكيم شرع في الإحداث والتكوين في ذلك الوقت ، بعد أن كان تاركا له مدة غير متناهية ، من غير سبب اختص به ذلك الوقت : كان ذلك محض العبث . ومثل هذا الفعل لا يليق البتة بالفاعل الحكيم . ألا ترى أنا إذا رأينا رجلا حكيما عاقلا ، أمسك عن نوع من أنواع الفعل سنين طويلة ، وجلس في زاوية داره « 1 » ساكتا ، تاركا [ لذلك « 2 » ] الفعل بالكلية ، ثم إنه بعد الأدوار الطويلة قفز دفعة واحدة ، وشرع في العمل بالجد العظيم ، والاجتهاد التام . فإن كل عاقل يقول له : ما السبب الذي اقتضى انتقالك من الإعراض إلى الشروع ، ومن الترك إلى الفعل ؟ فإن قال : لم يحدث البتة سبب اقتضى ذلك ، فكل أحد من العقلاء يقول : إن هذا لا يليق بالعقلاء والحكماء ، فإنه إن كان الترك أصوب ، فلم انتقلت منه إلى الفعل لا لسبب ؟ وإن كان الفعل أصوب ، فلم تركته قبل ذلك لا لسبب ؟ فيثبت : أن الانتقال من الترك الأزلي ، إلى الفعل من غير [ سبب « 3 » ] البتة لا يليق بالفاعل الحكيم البتة . أما الفاعل السفيه ، فإنه لا يليق به ذلك . ألا ترى أن الصبيان والمجانين قد ينتقلون من الفعل إلى الترك تارة ، ومن الترك إلى الفعل أخرى ، من غير سبب يقتضي [ ذلك « 4 » ] ومن غير موجب يوجبه . والعقلاء لا يستبعدون حدوث « 5 » مثل هذه الحالة عن الفاعل الجاهل العابث . فيثبت أن ابتداء القصد إلى التكوين لا يليق بالفاعل الحكيم . وإنما يليق بالفاعل الجاهل . فوجب إثبات
--> ( 1 ) بيته ( ط ) . ( 2 ) من ( ط ) . ( 3 ) من ( ت ) . ( 4 ) من ( ت ) . ( 5 ) من صدور ( ط ) .