فخر الدين الرازي

404

المطالب العالية من العلم الإلهي

وأما إثبات النفس ففيه مقامان : الأول : إثبات أن النفس غير البدن ، ودلائل الفلاسفة في إثبات هذه النفس مشهورة . والمقام الثاني : إثبات أنها قديمة . والدليل « 1 » على قدمها : أنه لما ثبت [ بالدليل « 2 » ] أن إله العالم فاعل بالاختيار ، لا موجب « 3 » بالذات ، امتنع أن يكون فعله أزليا . لأن الفاعل بالاختيار هو الذي يفعل بواسطة القصد [ والاختيار « 4 » ] ومن كان فعله بواسطة القصد ، فإن فعله يكون محدثا مسبوقا بالعدم ، وكل ما كان كذلك ، فإنه لا بد وأن يصير فاعلا ، بعد أن كان غير فاعل من الأزل ، إلى ذلك الوقت . فإنه يستحيل « 5 » أن يبتدئ بالفعل في ذلك الوقت ، إلا بعد أن يتقدمه فاعل جاهل ، شرع في الفعل بجهله ، وثبت أن ذلك [ الفاعل « 6 » ] الجاهل هو النفس ، وهذا يقتضي أن النفس يجب أن تكون قديمة . وأما إثبات أن الخلاء والدهر موجودان في الأزل ، فسيأتي دلائل ذلك في كتاب « المكان والزمان » . وعند هذا ، قال « محمد بن زكرياء الرازي » : « فقد ثبت القول بهذه القدماء الخمسة » ثم زعم : أن كل واحد منها واجب الوجود لذاته ، وطعن في دلائل من قال : « إن واجب الوجود يمتنع أن يكون أكثر من واحد » وزعم أن شيئا منها لا يبقى على البحث الصحيح . فهذا هو إحدى المقدمات ، التي لا بد من الوقوف عليها في هذا الباب .

--> ( 1 ) والذي يدل ( ط ) ( 2 ) من ( ط ) ( 3 ) لا علة موجبة بالذات ( ط ) . ( 4 ) من ( ت ) . ( 5 ) يمتنع ( ط ) . ( 6 ) من ( ت ) .