فخر الدين الرازي
391
المطالب العالية من العلم الإلهي
الفصل الخامس في شرح مذهب هؤلاء الفلاسفة في أن ذلك الصادر الأول . كيف تصدر عنه الكثرة الحاصلة في الممكنات ؟ اعلم أنا نعبّر عن كلام القوم بالوجه الأحسن ، فنقول : الصادر الأول . إما أن يقال : إنه لا يصدر عنه أيضا ، إلا الواحد ، فيكون الكلام في الثاني ، كما في الأول . فيلزم أن لا يوجد « 1 » موجودان في الممكنات ، إلا ويكون أحدهما علة [ للثاني « 2 » ] ومعلوم أن ذلك باطل . فإن هذه الحبة من الحنطة ، ليست علة لتلك الحبة الأخرى ، ولا معلولة لها ، فإن وجب الاعتراف بأنه لا بد وأن يصدر عن المعلول الأول أكثر من الواحد ، وكل ما صدر عنه أكثر من الواحد ، ففيه كثرة . ينتج : أنه حصل في ذات المعلول الأول : كثرة . فتلك الكثرة إن كانت واجبة لذاته ، كان واجب الوجود أكثر من واحد - وإن كانت ممكنة فهي صادرة عن واجب الوجود . فالواحد قد صدر عنه أكثر من الواحد ، وهو محال . فلم يبق إلّا أن يقال : الماهية الممكنة . لها من ذاتها : الإمكان ، ولها من علّتها : الوجود . فإذا ضمّ ماله من ذاته إلى ماله من غيره ، حصلت كثرة « 3 » يمكن جعلها مبدأ للمعلولات الكثيرة . إذا عرفت هذا فنقول : [ المعلول « 4 » ] الأول حصل له الإمكان بذاته ، والوجود من غيره . والشيء ما
--> ( 1 ) أن يوجد ( ت ) . ( 2 ) من ( ط ، س ) . ( 3 ) حصلت له يمكن ( ت ) . ( 4 ) من ( ت ) .