فخر الدين الرازي
39
المطالب العالية من العلم الإلهي
على هذه المعاني ، فحينئذ لا يبقى للعقل أمان في الحكم بجواز الجائزات ، واستحالة المستحيلات . فلعل الجمع بين الضدين وإن كان ممتنعا ، فسيجيء وقت يصير فيه واجبا لعينه ، ولعل كون الأربعة زوجا ، وإن كان واجبا لذاته ، فسيجيء وقت يصير فيه ممتنعا لعينه . وبالجملة : فالعقل إنما يمكنه تركيب المقدمات بناء على أن ما يكون ممتنعا لعينه ، وجب أن يكون كذلك أبدا ، وما كان واجبا لعينه ، وجب أن يكون كذلك أبدا . فإن أدخلنا الطعن والتكذيب في هذه المقدمة ، فحينئذ لا يبقى عند العقل مقدمة يمكنه الجزم بها ، وذلك [ دخول في السفسطة « 1 » ] وأما القائلون بإثبات الأول لهذا الإمكان . فقد احتجوا عليه ، وقالوا : إنه [ إذا كان « 2 » ] لا أول لإمكان وجود العالم في نفسه ، ولا أول أيضا لإمكان تأثير قدرة اللّه تعالى فيه ، فعلى هذا التقدير ، لا امتناع في تأثير قدرة اللّه تعالى في وجود العالم من الأزل إلى الأبد . وإذا كان الأمر كذلك ، لزم [ القطع « 3 » ] بأنه لا امتناع في كون العالم موجودا في الأزل ، ولا امتناع في كونه تعالى موجدا للعالم في الأزل . وإذا كان الأمر كذلك ، كان القول بأن العالم يمتنع أن يكون قديما مع ذلك القول ، يوجب الجمع بين النقيضين ، وهو محال . وأيضا : فالفعل ما له أول ، والأزل ما لا أول له ، والجمع بينهما محال . واعلم أن هذا الكلام مشكل جدا ، وقد أجبنا عنه في كتاب « الأربعين » فقلنا : إنا إذا وجدنا « 4 » الشيء المعين ، بشرط كونه مسبوقا بالعدم ، فإنه مع هذا الشرط لا أول لصحة وجوده ، ثم لا يلزم من قولنا : لا أول لصحة وجوده مع هذا الشرط ، صدق قولنا : إنه يصح أن يكون أزليا ، لأنه مع شرط كونه مسبوقا بالعدم ، يمتنع أن يكون أزليا . فيثبت : أنه لا يلزم من قولنا : إنه لا أول لصحة وجوده ، قولنا : إنه يصح أن يكون أزليا .
--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) من ( ط ) ( 3 ) من ( ط ، س ) ( 4 ) أخذنا ( ط )