فخر الدين الرازي
384
المطالب العالية من العلم الإلهي
أثر ؟ والدليل عليه : أنه لو كان القبول أثرا ، لكان القابل مؤثرا ، فحينئذ يصدق أن القابل فاعل . وهو عندكم محال . سلمنا ما ذكرتم من الدليل . إلا أنه منقوض على أصولكم بصور : الأولى : إنه تعالى عالم بجميع المعلومات . والعلم عبارة عن حضور « 1 » صورة المعلوم في ذات العالم . فصور المعلومات مرتسمة في ذات اللّه تعالى ، فذاته قابلة لتلك الصور ، والمؤثر فيها هو ذاته . فالشيء الواحد قابل وفاعل معا ، وذلك ينقض هذا الكلام . الثانية : إن كون المؤثر مؤثرا [ في الأثر « 2 » ] صفة مغايرة لذات المؤثر . لأن ذات المؤثر جوهر قائم بالنفس ، والمفهوم من كونه مؤثرا في الغير حالة نسبة إضافية . فأحدهما يغاير الآخر ، فهذه المؤثرية صفة زائدة على الذات ، وهي قائمة بتلك الذات . والموجب لتلك المؤثرية هو تلك الذات ، فالشيء الواحد بالنسبة إلى تلك المؤثرية فاعلة لها ، وقابلة لها . والثالثة : إن [ ذات « 3 » ] واجب الوجود من حيث إنه هو واجب الوجود لذاته : متعينة متشخصة ، وماهية وجوب الوجود مغايرة لذلك التعين ، وإلا لكان كل من عرف الذات الواجبة « 4 » لذاتها ، عرف أنها ليست إلا ذلك المتعين ، فوجب أن لا نحتاج في العلم بأن واجب « 5 » الوجود واحد ، إلى دليل منفصل . ولمّا لم يكن الأمر كذلك ، علمنا : أن المفهوم من كونه واجب الوجود لذاته ، غير المفهوم من ذلك التعين ومن ذلك التشخص . إذا ثبت هذا فنقول : إنه لا يجوز أن يكون ذلك التعين مقتضيا لوجوب الوجود بالذات ، لما أن واجب الوجود لذاته ، يمتنع أن يكون واجب الوجود لغيره ، فلم يبق أن يقال : المفهوم من كونه واجب الوجود لذاته ، هو الذي يوجب ذلك
--> ( 1 ) عن ذلك حضور صورة ( ط ) . ( 2 ) من ( ط ، س ) . ( 3 ) زيادة . ( 4 ) الواحدة ( ط ) . ( 5 ) بأن الواجب واحد ( ط ) .