فخر الدين الرازي

381

المطالب العالية من العلم الإلهي

الفصل الرابع في أن الصادر الأول عن الله . ما هو ؟ على قول من يقول : الواحد ، لا يصدر عنه الا الواحد قالوا : ثبت : أنه تعالى فرد منزه عن جميع جهات الكثرة ، وثبت : أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، فوجب القطع بأن الصادر [ الأول « 1 » ] عن اللّه تعالى شيء واحد . فنقول : ثبت أن كل ممكن فهو إما جوهر وإما عرض ، فذلك الصادر الأول إما جوهر وإما عرض . لا جائز أن يكون عرضا ، لأن العرض محتاج إلى الجوهر ، ومتأخر بالرتبة عن الجوهر . فلو كان الصادر الأول عرضا ، لكان علة للجواهر ، فحينئذ يكون العرض سابقا على الجوهر ، مع أن الجوهر كان سابقا على العرض ، فيلزم الدور ، وهو محال . فيثبت : أن الصادر الأول جوهر . فنقول : ذلك الجوهر إما أن يكون جسما ، أو جزءا من أجزاء ماهية الجسم ، أو لا جسما ولا جزءا من أجزاء ماهية الجسم . والأول باطل . لأن الجسم مركب من الهيولى والصورة . فتكوين الجسم لا يمكن إلا بتقدم تكوين أجزائه . وإذا كان كذلك ، امتنع أن يكون الصادر الأول جسما . ولا جائز أن يكون الصادر الأول جزءا من أجزاء ماهية الجسم ، لأن ذلك الجزء إما الهيولي أو الصورة ، ولا جائز أن يكون الصادر الأول : هو الهيولى ، لأن الصادر الأول يكون علة لما بعده ، فلو كان الصادر الأول هيولى ، لزم كون الهيولى علة مؤثرة ، موجدة لسائر الأشياء . لكن الهيولى موجود قابل ، فيلزم أن

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) .