فخر الدين الرازي
360
المطالب العالية من العلم الإلهي
الكواكب والأفلاك . فتلك الحركات كيف حصلت ؟ فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم التسلسل ، وإن كان من الخالق الحكيم ، فذلك يوجب الإقرار بوجود الإله [ تعالى « 1 » ] وهذا هو المراد بقوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ : مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ « 2 » فجعل مقطع هذه الآية قوله لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ والتقدير : كأنه قيل : إن كنت عاقلا فاعلم أن التسلسل باطل . فوجب انتهاء الحركات إلى حركة يكون موجدها غير متحرك . وذلك هو الإله القادر المختار . ولما تم الدليل في هذا المقام ، لا جرم جعل مقطعه قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . والوجه الثاني من الجواب : هو أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة ، والحبة الواحدة : واحدة . ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد : أحد وجهيها في غاية الحمرة ، والوجه الثاني في غاية السواد . فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت ، لأنه تقرر في العقول : أن تأثير الموجب بالذات لا يختلف . وحيث حصل التفاوت في الآثار ، أن المؤثر قادر مختار . وهذا هو المراد من قوله : وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ « 3 » كأنه قيل له : تذكر ما ترسخ في عقلك من أن الموجب « 4 » بالذات والطبع ، لا يختلف تأثيره . فلما رأيت بعينك حصول هذا الاختلاف ، فاعرف أن المؤثر فيه ليس هو الطبائع الموجبة بالذات ، بل المؤثر فيه هو الفاعل المختار . فلهذا السبب جعل مقطع هذه الآية : قوله : لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ولنكتف من هذا الجنس بهذا القدر ، فإنه بحر واسع . وقد ذكرناه على سبيل الاستقصاء في « التفسير الكبير » فمن أراد هذا النوع فعليه بذلك الكتاب . واللّه أعلم [ بالصواب « 5 » ]
--> ( 1 ) من ( ت ) ( 2 ) النحل 12 ( 3 ) النحل 13 ( 4 ) كأنه قيل له : مذكور ينتج في عقلك من أن الواجب بالذات . . . الخ ( ت ) ( 5 ) من ( ت )