فخر الدين الرازي

36

المطالب العالية من العلم الإلهي

عليه في بعض الأوقات [ أنه ممتنع الوجود لذاته ، لصدق عليه الحكم في كل الأوقات « 1 » ولما كان التالي كاذبا ، كان المقدم أيضا كاذبا « 2 » . فإن قيل : هذا الكلام إنما يتم إذا قلنا : الماهيات مفتقرة حالتي الوجود والعدم ، حتى يقال : إن تلك الماهية لما اقتضت أمرا ، وجب بقاء [ ذلك « 3 » الاقتضاء أبدا . وهذا بناء على أن المعدوم شيء ، ونحن لا نقول به ، فلا يلزمنا هذا الكلام . فنقول : الجواب عنه من وجوه : الأول : إن جميع العقلاء يقولون : الجمع بين الضدين ممتنع لعينه ولذاته ، فلا جرم وجب بقاء هذا الامتناع أبدا ، وأن كون الواحد ضعف الاثنين ممتنع لذاته ، فوجب بقاء هذا الامتناع أبدا . ثم إن أحدا من العقلاء لم يقل : إن الممتنعات أشياء في العدم ، بل هي عدمات محضة وسلوب صرفة ، وليس لها ماهيات ولا أعيان . فإذا عقل هذا ، فلم لا يعقل أيضا هاهنا أن نقول : لو صدق على العالم في وقت من الأوقات ، أنه ممتنع لعينه ولذاته ، لوجب أن يبقى هذا الامتناع أبدا ، وإن كنا لا نقول : بأن المعدوم شيء ؟ . والوجه الثاني : إن وصف العدم بالامتناع والإمكان ، إنما يوجب [ القول بأن « 4 » المعدوم شيء ، لو ثبت أن الامتناع أو الإمكان وصفان وجوديان ، أما إذا كانا وصفين عدميين ، لم يلزم من إسنادهما إلى الماهية قبل وجودها ، كون تلك الماهية ذاتا وعينا بدليل : أن إسناد المحمولات العدمية إلى الموضوعات العدمية : غير ممتنع البتة أصلا . الوجه الثالث : هب أن هذا السؤال يتوجه هاهنا ، إلا أنا نذكر ذلك الكلام في صورة لا يتوجه عليها ذلك السؤال . فنقول : لا شك أن قدرة اللّه [ تعالى « 5 » ] لها صلاحية التأثير في إيجاد العالم . فهذه الصلاحية إما أن يكون لها

--> ( 1 ) سقط ( ط ، س ) ( 2 ) كذلك ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ط ) ( 4 ) من ( ط ) ( 5 ) من ( ت )