فخر الدين الرازي
338
المطالب العالية من العلم الإلهي
أحدهما : مواضع حضيضية . لغاية « 1 » قربها من الأرض . وهذا المواضع هي البراري الجنوبية ، وهي محترقة نارية ، لا يتكون فيها حيوان . وأما المواضع « 2 » المقارنة لتلك المواضع ، فسكانها كلهم سود الألوان ، لأجل احتراق موادهم وجلودهم ، بسبب ذلك الهواء المحترق بالشمس . وأما المواضع المسامتة الأوجه « 3 » في جانب الشمال ، فهي غير محترقة بل معتدلة . ثم قد ثبت في « المجسطي » أن التفاوت الحاصل بسبب قربها وبعدها من الأرض : قليل . وبسبب حصول ذلك القرب القليل ، صار الجانب الجنوبي محترقا . فعلمنا بهذا الطريق : أن الشمس لو حصلت في فلك الثوابت ، لفسدت الطبائع من شدة البرد . ولو أنها انحدرت إلى فلك القمر ، لاحترق هذا العالم بالكلية . فلهذا السبب قدّر الحكيم [ الرحيم « 4 » ] الناظر لعباده : أن جعل الشمس وسط الكواكب السبعة ، لتكون بحركتها الطبيعية المعتدلة ، وقربها المعتدل تبقى الطبائع والمطبوعات في هذا العالم على حد الاعتدال . فأما أهل الإقليم الأول ، فلأجل قربهم من الموضع لحضيض الشمس ، كانت سخونة هوائهم شديدة ، فلا جرم هم أكثر سوادا ، لأن تأثير الشمس فيهم عظيم . وأما أهل الإقليم الثاني ، فهم سمر الألوان . وأما الإقليم الثالث والرابع فأعدل الأقاليم مزاجا بسبب اعتدال الهواء . وأيضا : فغاية ارتفاع الشمس إنما يكون عند كونها في أبعد بعدها عن الأرض ، فلا جرم صار أهل هذا الإقليم ، موصوفين بالصفات الكريمة ، والصور الجميلة . وأما الإقليم الخامس ، فإن سخونة الهواء هناك ، أقل من الاعتدال بمقدار يسير ، فلا جرم صار في حيز البرد والثلوج ، وصارت طبائع أهله أقل نضجا من طبائع أهل الإقليم الرابع . إلا أن بعدهم عن الاعتدال قليل . وأما
--> ( 1 ) وغاية قربه ( ت ، ط ) ( 2 ) البلاد ( ت ) ( 3 ) لا توجد ( ت ) ( 4 ) من ( ط ، س )