فخر الدين الرازي
332
المطالب العالية من العلم الإلهي
كذلك ، لا جرم صار موضعها في الفلك المتوسط . كما أن دار الملك ، يجب أن تكون في وسط المملكة . وبيانه : أن جملة العالم إحدى عشرة كرة ، خمسة منها فلك الشمس . وهي : فلك المريخ ، والمشتري ، وزحل ، وفلك الثوابت ، والفلك الأعظم . وخمسة أخرى في داخل فلك الشمس . وهي : فلك الزهرة ، وعطارد ، والقمر ، ثم الكرة اللطيفة وهي النار والهواء ، والكرة الكثيفة وهي الماء والأرض . فلما كانت الشمس كالسلطان لعالم الأجسام ، لا جرم جعل مكانها في وسط كرات العالم . والوجه الثاني : أن القمر يزداد نوره وينتقص ، بسبب قربه من الشمس ، وبعده عنها . وكثيرون من الناس يزعمون : أن أنوار سائر الكواكب مقتبسة من الشمس . ولولا أن جرم القمر ليس نوره نورا ذاتيا ، بل عرضيا مستفادا من الشمس ، وإلا لما عرض له الخسوف . [ ولولا الخسوف « 1 » ] لتعذر معرفة موضعه الحقيقي من الفلك ، بسبب ما يحصل فيه من اختلاف المنظر ، لأجل قربه من الأرض . ولو لم يعرف الموضع الحقيقي للقمر ، لتعذر معرفة المواضع الحقيقية لسائر الكواكب . فكان حصول الخسوف للقمر ، كالمفتاح لمعرفة مواضع الأجرام النيرة الفلكية . والوجه الثالث : أن الشمس إذا ظهرت ، اختفت بكمال شعاعها سائر الكواكب ، إلا أنها وإن خفيت ، إلا أن قوتها باقية . ولذلك فإنه يكون يوم من الصيف ، أحرّ من يوم آخر . وما ذاك إلا بسبب أن الشمس إذا قارنت في سيرها « 2 » كوكبا حارا ، فإنه يزداد حر الهواء ، وبالضد منه في جانب البرد . والوجه الرابع : إنا نرى جميع الحيوانات في الليل ، كالميتة . فإذا طلع نور الصبح « 3 » ظهرت في أجساد الحيوانات ، نور الحياة . فيجري هذا ، مجرى
--> ( 1 ) من ( ط ) . ( 2 ) ممرها ( ط ) . ( 3 ) الشمس ( ط ، س )