فخر الدين الرازي

313

المطالب العالية من العلم الإلهي

الأول : إن الأجسام لما كانت قابلة للصفات الحادثة ، امتنع كونها قديمة . والثاني : إن الإله « 1 » تعالى وتقدس ، لما كان قديما ، امتنع كونه قابلا للصفات الحادثة . الحجة الثالثة : أجسام العالم ، لو كانت أزلية ، لكانت في الأزل ، إما أن تكون مجتمعة فقط ، أو متفرقة فقط ، أو تارة مجتمعة ، وتارة متفرقة . أو بعضها مجتمعة ، وبعضها متفرقة . والأولان باطلان ، وإلا لزم أن لا يصير المجتمع متفرقا ، ولا بالعكس . لما ثبت : أن الأزلي لا يزول ، والثالث باطل . لأنه يلزم منه وجود حوادث لا أول لها . وقد أبطلناه . والرابع باطل أيضا . لأن ذلك الذي كان مجتمعا ، وجب أن لا يفترق ، وذلك الذي كان مفترقا ، وجب أن لا يجتمع . لما ثبت أن الأزلي لا يزول . واعلم أن هذا الدليل بعينه عائد إلى ما تقدم ذكره . الحجة الرابعة : لو كان الجسم أزليا ، لكان في الأزل حاصلا في حيز معين . ولو كان كذلك ، لامتنع خروجه عن ذلك الحيز ، ولامتنع كونه متحركا . وحيث لم يمتنع ذلك ، علمنا : أن الجسم لا يمكن أن يكون أزليا . وإنما قلنا : إنه لو كان أزليا ، لكان في الأزل حاصلا في حيز معين : لأن الجسم هو الذي يصدق عليه أنه مقدار وحجم . وكل ما كان كذلك ، وجب أن يكون حاصلا في حيز مبهم . لأن كل ما كان موجودا في نفسه ، فهو معين في نفسه ، فحصول الجسم المعين في حيز مبهم « 2 » في نفس الأمر : محال في العقل . فيثبت : أنه لو كان الجسم موجودا في الأزل ، لكان حاصلا في حيز معين . ولو كان كذلك ، لكان حصوله في ذلك الحيز : أزليا . ولو كان كذلك ، لا يمتنع العدم على تلك الصفة . لما ثبت : أن الأزلي يمتنع عليه العدم . ولما دل الحس على جواز الحركة على الأجسام ، علمنا : امتناع كون الجسم أزليا . وهذا

--> ( 1 ) الإله تقدست ذاته ( ط ) ( 2 ) معين ( ت )