فخر الدين الرازي

298

المطالب العالية من العلم الإلهي

كان الأول ، لزم من امتناع العدم على تلك العلة القديمة ، امتناع العدم على ذلك المعلول القديم ، وذلك يفيد صحة قولنا : إن الأزلي لا يزول . وأما الثاني : وهو أن يقال : إن تأثير تلك العلة القديمة ، في ذلك المعلول القديم ، يتوقف على شرط . فنقول : ذلك الشرط ، إن كان ممكنا عاد التقسيم الأول فيه ، وإن كان واجبا ، فحينئذ تكون العلة المؤثرة في وجود ذلك القديم ، واجبة لذاتها ، ويكون شرط ذلك التأثير أيضا : واجبا لذاته . وعلى هذا التقدير فإن ذات العلة : واجبة لذاتها . وشرط تأثيرها في ذلك القديم : واجب لذاته . ويلزم من وجوب وجود هذين الأمرين : وجوب دوام ذلك المعلول ، وامتناع عدمه . فيثبت بما ذكرنا : أن كل ما كان قديما ، فإنه يمتنع عدمه . فلما دللنا على أن كل سكون فهو جائز الزوال [ ثبت « 1 » ] أن السكون يمتنع أن يكون أزليا [ واللّه أعلم « 2 » ] فإن قيل : الكلام على هذه الحجة . من وجوه : الأول : أن نقول : البارئ تعالى ، إما أن يكون عالما بالجزئيات ، أوليس كذلك . فإن كان الحق هو القسم الثاني ، وهو أن العلم بالجزئيات والتغيرات على اللّه تعالى محال . فعلى هذا التقدير يمتنع كون العالم محدثا ، لأنه لو كان محدثا ، لما حدث إلا لأجل أنه تعالى قصد إلى إيجاده وتكوينه ، لكن على تقدير بأن لا يكون عالما بالجزئيات ، فإنه يمتنع كونه قاصدا إلى إيجاد العالم ، لأن القصد إلى إيجاد الشيء ، مشروط بكونه عالما ، بأن العالم معدوم ، وأنه سيوجد . فإذا كان العلم بالجزئيات محالا ، لكان هذا القصد محالا . وإما إن كان الحق هو القسم الأول ، وهو أنه تعالى عالم بالجزئيات . فنقول : فعلى هذا التقدير صدق على اللّه تعالى : أنه ما كان عالما في الأزل بوجود العالم ، ثم صدق عليه : أنه صار عالما بوجود العالم عند دخوله في الوجود ، فصدق هذا

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) من ( ت )