فخر الدين الرازي
282
المطالب العالية من العلم الإلهي
إنه تعالى حركها وركب العالم منها . وهذا هو قول : أكثر الفلاسفة الذين كانوا قبل « أرسطاطاليس » . ونحن في هذا المقام مشتغلون بإبطال هذا المذهب ، وإذا بطل ذلك ، حينئذ يتم لنا القول بحدوث الأجسام . واعلم أنا نحتاج في هذا المقام إلى إقامة الدلالة على أنه يمتنع كون السكون أزليا ودليلنا على إثبات هذا المطلوب : أن نقول : لو كان السكون أزليا ، لما جاز زواله . وقد جاز زواله ، فيمتنع كون السكون أزليا . واعلم أن بتقدير أن يكون السكون عبارة عن عدم الحركة فإنه لم يصح هذا الدليل . لأن زوال العدم الأزلي جائز بالاتفاق ، إذا لو لم يجز ذلك ، لبطل القول بحدوث الأجسام . وبيانه من وجهين : الأول : إن الخصم يقول : لو كان العالم حدثا ، لكان عدمه أزليا . ولو كان عدمه أزليا ، لامتنع زواله . فكان يجب أن لا يوجد العالم . وحيث وجد ، علمنا أن عدمه كان أزليا . ولما لم يكن عدمه أزليا ، وجب أن يكون وجوده أزليا . والثاني : إنه لو كان العالم محدثا ، لما كان البارئ تعالى موجودا له في الأزل ، ولا مؤثرا فيه . ولو كان [ عدم « 1 » ] الموجدية والمؤثرية أزليا لما زال هذا العدم . وحيث زال ، علمنا أن علم الموجدية ليس أزليا ، فوجب أن يكون حصول الموجدية أزليا وذلك يقتضي قدم العالم . فيثبت بهذا : أنه لا يمكن أن يقال : إن كل ما كان أزليا ، فإنه يمتنع زواله . بل يجب تخصيص هذه الدعوى بالأمور الوجودية . فيقال : إن كل ما كان موجودا في الأزل ، فإنه يمتنع زواله ، وإذا ثبت هذا ، فيفتقر في تقرير هذا المطلوب إلى ثلاثة أمور : فالأول : بيان أن السكون صفة موجودة .
--> ( 1 ) من ( ت )