فخر الدين الرازي
21
المطالب العالية من العلم الإلهي
مفرقا وهو النار ، وكل جسم أحاط به ثمان مثلثات ، كان سريع الانقلاب من ضلع إلى ضلع وهو الهواء ، وكل جسم أحاط به عشرون مثلثا فهو الماء . وعلى هذا المذهب فهذه الصفات أعني النارية والمائية والهوائية والأرضية عبارة عن حصول هذه الأشكال المخصوصة . ومن الناس من أنكر ذلك . وزعم : أن هذه الكيفيات الأربعة ، أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، أعراض زائدة على هذه الأشكال مغايرة لها . وهذا هو القول الأظهر . إذا عرفت هذه التفاصيل فنقول : الذين قالوا : المادة الأولى هي الجسم ، وزعموا : أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية « 1 » . فهؤلاء لهم قولان : الأول : أن الأجسام كانت موجودة في الأزل ، وكانت خالية عن جميع الصفات ، ثم إنه حدثت الصفات فيها ، وعلى هذا التقدير فهنا أيضا احتمالان : أحدهما « 2 » : أن يقال : إن الكل كان [ جسما « 3 » ] واحدا متصلا ، ثم إنه انفصل البعض عن البعض فيما لا يزال ، وهذا هو الذي يشعر به قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا : أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ : كانَتا رَتْقاً . فَفَتَقْناهُما « 4 » . وثانيهما « 5 » : أن يقال : إن تلك الأجزاء « 6 » كانت متباينة متفاصلة ، وعلى هذا التقدير ففيه أيضا احتمالان : أحدهما : أن يقال : إن تلك الأجزاء كانت متباينة ، وكانت واقفة ساكنة من الأزل إلى الأبد ، ثم إنها تحركت وامتزجت ، وحدث من امتزاجها هذا العالم . وأول التوراة مشعر بهذا ، لأنه قال : « إنما حدث العالم ، لأن ريح اللّه
--> ( 1 ) الماهية ( ط ) الملازمات ( ت ) ( 2 ) الأول ( ت ) ( 3 ) من ( ت ) ( 4 ) الأنبياء 30 . ( 5 ) والثاني ( ت ) ( 6 ) الأجرام ( ت )