فخر الدين الرازي
182
المطالب العالية من العلم الإلهي
محال . فالعقل وحده لا يمكنه في هذا الموضع أن يجزم بأن أحد الطرفين ، لا محال : واقع . لأن حكم العقل « 1 » هاهنا : استواء الطرفين . والحكم بوقوع أحد الطرفين لا محال : جزم بحصول « 2 » الرجحان . والجمع بين الاستواء وبين الرجحان : مال . فيثبت : أن العقل لما تقرر عنده هذا الاستواء : امتنع أن يحكم بالرجحان « 3 » إلا بدليل منفصل ، وهو الدليل السمعي . وعلى هذا التقدير يكون [ هذا « 4 » ] العلم بحصول ذلك الرجحان مستندا إلى الدليل السمعي . فوجب أن يكون الجاهل بذلك الدليل السمعي : جاهلا بذلك الرجحان . ومعلوم أنه ليس كذلك ، لأن الملحد والموحد كلهم قاطعون ، بامتناع حصول القصر ، إلا عن المادة السابقة . وأما قوله سابعا : « إن المتكلمين حكموا بافتقار البناء إلى الباني ، وحكموا باستغناء البناء عن المادة والمدة » فنقول : إنه لا عبرة في تمييز البديهيات عن النظريات بقول المتكلمين . وذلك لأنهم عند الإلزامات القوية ، قد اعتادوا التزام المحالات ، وارتكاب المنكرات . ألا ترى أن الجبرية لما ألزموا على المعتزلة : أن القادر لما كان قادرا على الضدين ، امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح ، وحينئذ يلزم الجبر . فالمعتزلة : خوفا من هذا الإلزام : جوزوا رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر ، لا لمرجح . مع أن العقلاء المحققين اتفقوا على أن هذه المقدمة بديهية . ولهذا الباب نظائر كثيرة . بل نقول : العبرة في تمييز البديهيات عن النظريات : بالعقلاء الذين بقوا على الفطرة الأصلية ، والسلامة الخلقية ، وما مارسوا المحالات ، ولم يألفوا التزام المنكرات والمحالات ، في مواقف المناظرات . ومعلوم أن جميع عقلاء
--> ( 1 ) العقلاء ( ت ) ( 2 ) بوجود ( ط ، س ) ( 3 ) بين الرجحان ( ت ) ( 4 ) من ( ت )